جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 16 أغسطس 2018

الدهر يفجع بعد العين بالأثر فما البكاء على الأشباح والصور

الدهر هو الزمان قلّ أو كثر. يقول المولى عز وجل «هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً» «الإنسان 1»، وهناك من يفسر الدهر بمدة الحياة الدنيا كلها وتطلق على ألف سنة، يقول الله تعالى في الآية 24 من سورة الجاثية «وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر...». قال ابن سيده: جمع دهر دهور وأدهر، وعندما يفجع الدهر الانسان يؤلمه إيلاماً شديداً ويحزنه ويفطر قلبه، ويشعره بأن الحياة ليس لها قيمة، والمفجوع يفرغ حزنه بالبكاء وينفس عن كربه مع بقاء الالم والحسرة في القلب تعاوده بين الفينة والأخرى، بيت الشعر المشار إليه ضمن قصيدة رائية عدد أبياتها فوق الخمسين بيتا يرثي بها «ابن عبدون» ملوك بني الأفطس، ويذكر فيها من أباده الحدثان من ملوك الزمان، أوردها محمد بن شاكر الكتبي في فوات الوفيات بكمالها، اما ابن عبدون فهو ابومحمد الفهري عبدالمجيد بن عبدون، ذو الوزارتين اليابري، نسب إلى جده لأمه عبدالمجيد بن عبدالله بن عبدون الفهري الأندلسي، النحوي الشاعر المفلق.
له شعر فائق ويعد من بحور الآداب في الأندلس، عالما بالخبر والاثر ومعاني الحديث أخذ عنه الناس. ولد سنة ست وثلاثين واربعمئة للهجرة، وعمّر دهراً، ثم تضعضع واحتاج، روى ابوبكر بن زهر الشاعر، قال: دخل علينا رجل رث الهيئة كأنه بدوي، فقال لي: يا بني استاذن لي على الوزير أبي مروان، فقلت: هو نائم، فرأى معي كتاباً فسألني: ما هذا الكتاب؟ قلت: كتاب الأغاني، قال: اني حفظته من الصغر، فتبسمت، فقال: فامسك عني. فأمسكت فوالله ما اخطأ شيئاً، وقرأ نحو كراستين، فقمت مسرعاً الى أبي، فخرج حافياً وعانقه وقبل يده واعتذر له ثم حدثه ووهبه مركوباً، فسألت أبي من هذا؟ قال: ويحك!! هذا أديب الأندلس ابن عبدون، أيسر محفوظاته كتاب الأغاني، يقول ابن عبدون في مرثيته:
الدهر يفجع بعد العين بالأثر
فما البكاء على الأشباح والصور
أنهاك أنهاك لا آلوك معذرة
عن نومة بين ناب الليث والظفر
فلا يغرنك من دنياك نومتها
فما صناعة عينيها سوى السهر
تسَّر بالشيء لكن كي تغر به
كالأيم ثار إلى الجاني من الزهر
والدهر حرب وإن أبدى مسالمة
والسود والبيض مثل البيض والسمر
ما لليالي أقال الله عثرتنا
من الليالي وغالتها يد الغير
وفي بني الأفطس يقول:
بني المظفر والأيام ما برحت
مراحلا والورى منها على سفر
سحقاً ليومكم يوما ولا حملت
بمثله ليلة في سالف الدهر
من للأسرة أو من للأعنة أو
من للسماحة أو للنفع والضرر
أو دفع كارثة أو قمع رادفة
او ردع حادثة تعيي على القدر
ريح السماح وريح الباس لو سلما
وحسرة الدين والدنيا على عمر
سقت ثرى الفضل والعباس هامية
تعزى إليهم سماحاً لا إلى المطر
ومر من كل شيء فيه أطيبه
حتى التمتع بالآصال والبكر
أين الجلال الذي غضت مهابته
قلوبنا وعيون الأنجم الزهر
أين الإباء الذي أرسوا قواعده
على دعائم من عز ومن ظفر
أين الرواء الذي أصفوا شرائعه
فلم يرد أحد منها على كدر
على الفضائل إلا الصبر عنهم
سلام مرتقب للأجر منتظر
يرجو عسى وله في اختها طمع
والدهر ذو عقب شتى وذو غير
وهذه القصيدة أشد متانة عند البعض من مرثية أبوالبقاء الرندي للأندلس، والذي يقول فيها:
لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول
من سره زمن ساءته أزمان
توفي ابن عبدون سنة عشرين وخمسمئة للهجرة، أما بني الأفطس الذين رثاهم فهم سلالة أمازيغية حكمت مملكة «بطليوس» في الأندلس خلال عصر ملوك الطوائف منذ عام 413هـ حتى 488هــ، تنسب هذه المملكة الى مؤسسها عبدالله بن محمد بن مسلمة، المعروف بابن الافطس، من قبيلة مكناسة الآمازيغية، النازلة بفحص البلوط شمالي قرطبة، وبني الافطس ينسبون أنفسهم إلى بني «تجيب» وقد انكر هذه النسبة المؤرخ الاندلسي ابن حيان القرطبي، كان مؤسس هذه السلالة من كبار رجالات الخليفة الأموي الحكم الثاني، واقتطع لنفسه إمارة بطليوس بعد افول الخلافة الأموية بقرطبة، وتمكن بنو الافطس بعدها من تملك غرب اسبانيا، واجزاء من البرتغال لفترات متفاوتة، ومن المدن الهامة التي ضموها لمملكتهم «يابرة وقورية»، تمتع بنو الافطس بثقافة عالية وعلم كثير ورعاية للشعر والشعراء والادب والعلوم، على مدى ثلاثة اجيال، وكانت بينهم وبين بني عباد، حكام إشبيلية، حروب كثيرة انتهت باستيلاء بني عباد على جزء كبير من مملكة بني الأفطس، وقد حكم هذه المملكة عبدالله المنصور 413-473 هـ، فمحمد المظفر بن عبدالله المنصور 437-461هـ ثم يحيى المنصور بن محمد المظفر 461-464هـ، واخيراً عمر المتوكل بن محمد المظفر 464-488هـ. ضعفت دولة بني الافطس وأصبح حكامها يؤدون الجزية لمملكة قشتالة، ورغم ان آخر حكامهم المتوكل شارك في معركة الزلاقة مع بقية ملوك الطوائف والمرابطين ضد قشتالة إلا أن المرابطين انقلبوا عليه فيما بعد، وحاصروا بطليوس وأسقطوها، ثم أسروه وأعدموه. دمتم سالمين.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث