جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 15 أغسطس 2018

إعادة برمجة

يحتاج العراق إلى اعادة برمجة على كل المستويات. لن يبرأ هذا البلد العربي الذي ابتلي بكل أنواع المشاكل والمصائب والأمراض على مدى السنوات الخمسين الأخيرة مما هو فيه بمجرد احالة من تحوم حولهم الشبهات بالفساد والاخطاء القاتلة إلى القضاء أو إلى لجنة او مفوضية النزاهة. أمر العراق يحتاج الى علاج جدي مهما كانت فاتورة القسوة المطلوبة في مواجهة خطورة الوضع الذي وصل اليه. هناك سرقة واختلاس واستيلاء على المال العام وعلى النفط، هذا وباء خطير تعمد جنرالات الجيش الأميركي ادخاله إلى العراق معهم طمعاً في شراء الذمم وسرقة النفط والبلد والمال واشاعة للفوضى الخلاقة التي هي احد اشد امراض العصر. في زمن مثل زمننا هذا لا تحدث الأمور بالصدفة ولا تقلب الاوضاع رأسا على عقب لمجرد ان هناك من يريد ان يستفيد من اختطاف بلد بكامل حضارته ومزاجه ومقتنياته وعلاقته بالتاريخ والعالم. العراق ثاني اكبر منتج للنفط في العالم ولديه احتياطي يوازي الاحتياطي النفطي السعودي ولغة الارقام لا تكذب وكان أحد أرقى الشعوب ثقافة وحضارة وتعليماً ومزاجاً طيبا الى ان اشتغلت عليه وكالة المخابرات المركزية الاميركية. كل هذا الذي يحدث في العراق من انقلاب 14 يوليو 1958، صناعة خارجية. اختلف الانسان العراقي واختلف محيط العراق واختلف العراق البلد. كان بالامكانات المادية والثروات المتاحة والمزاج الطيب بالامكان ان يكون دولة صناعية وزراعية ومنتجة للادوات الكهربائية والاجهزة الالكترونية والسيارات والطائرات الصغيرة والادوية والورق والفوسفات والكبريت والجرارات والحديد بكل انواعه والتمور والرز والسكر وعجينة الورق غير المشتقات النفطية بكل أنواعها. لا شيء يمنع من تحول العراق إلى دولة صناعية مصدرة تتعدى الاكتفاء الذاتي. حتى في الاسماك يشتهر العراق بأنواع من الاسماك النهرية التي لا مثيل لطعمها في العالم ومن ينسى عالم «مسكوف» ابو نواس الغني بأنواع نادرة من الاسماك التي طابت للرئيس الفرنسي الاسبق جاك شيراك عندما كان يرسلها له صدام حسين فيتم شواؤها قبل ساعة من وصول الطائرة الى مطار شارل ديغول. ما من زعيم عربي او اجنبي لم يتذوق المسكوف العراقي. مامن أديب أو مثقف أو فنان لم يتذوق الادب العراقي او لم تطربه الموسيقى العراقية والمقامات المتميزة, انتهى عصر الحروب والمغامرات السخيفة المكلفة التي أضاعت على خمسة او ستة اجيال من ابناء العراق تذوق طعم الاستقرار والعودة الى العلم والابداع والشعر والمسرح والزراعة والصناعة والبحث العلمي. نعم العراق بحاجة الان الى اعادة برمجة وغسيل مخ من آفة الفساد والمذهبية السقيمة والتحامل على الاخرين بحجج ودعاوى حدودية او نفطية او امور اخرى لم يعد يرجى منها اي خير. كان بامكان العراقيين ان يكونوا اصحاب اعلى مستوى معيشي في كل المنطقة كرامة وضمانات حياة واماناً واستقراراً وبيوتا ووسائل راحة ووسائط نقل ومقتنايات وممتلكات واسواقاً وتجارة. ولن يكون بامكانهم ان يعودوا الى ما عرفوا به من قبل مالم يعودوا الى طبيعتهم في التعايش والتفاهم والانسجام والمحبة والوطنية والاخلاص لبلدهم والكف عن التبعية لاي طرف شيعي أو سني خارجي وهي مسؤولية المراجع الدينية العليا، ولن يسامح الله ولا التاريخ احدا يشجع على الولاء لغير وطنه وعلى المخافة من غير الله وعلى القبول بالكسل والذل والأمية بدل العلم والعمل والانتاج والتعلم. لا تحاربوا ولا تعادوا لا أميركا ولا ايران ولا السعودية ولا اي بلد آخر في العالم بل استفيدوا من علاقات مع كل دول العالم تعلموا من تجربة الكويت في الحكمة والعلاقة بين الحاكم والمحكوم وفي احترام الدستور والقانون وفي التعامل مع بعضهم بعضاً واستفيدوا مما تحققه معادلات مثل هذه من رخاء وامان واستقرار وكرامة وتمتُّع بالحياة وفي العلاقة مع الله.

د. هشام الديوان

د. هشام الديوان

بين السطور

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث