جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 08 أغسطس 2018

أتاني في قميص اللاذ يسعى عدوّ لي يلقّب بالحبيب

قميص اللاذ المذكور في هذا البيت هو المصنوع من الحرير واللاذ جمع، الواحدة منها: لاذة، وهذا الشاعر يذكر أن حبيبه الذي هو في الأصل عدوه جاءه يسعى، والسؤال: متى جاءه؟ لا شك ان هذه الزيارة ليلا، في وقت نامت فيه عيون الرقباء، ولكن العجيب في الأمر قول هذا الشاعر: «عدو لي يلقب بالحبيب» كيف يصف حبيبه بأنه عدو؟ والأمر لا يحتاج الى تفكير، قلة وصل هذا الحبيب، وجفاؤه وعدم سؤاله عنه جعلته يصفه بالعدو، صاحب هذا البيت «النامي الشاعر» وهذا ما اكده ابن خلكان، نافيا نسبة هذا البيت الى الوزير المهلبي، وأكد ذلك ايضا الثعالبي في يتيمة الدهر، والنامي لقب فهو: أبوالعباس أحمد بن محمد الدارمي المصيصي، من اشهر شعراء عصره، ولد عام 310هـ في خلافة المقتدر بالله ابوالفضل جعفر بن أحمد المعتضد، وهو أيضاً من شعراء الأمير سيف الدولة الحمداني، ويأتي عنده في المرتبة الثانية بعد المتنبي، عرف بالبلاغة والادب البارع والمعرفة التامة باللغة، ومن جميل شعره قوله في سيف الدولة:
أمير العلا ان العوالي كواسب
علاؤك في الدنيا وفي جنة الخلد
يمر عليك الهول سيفك في الطلى
وطرفك ما بين الشكيمة واللبد
ويمضي عليك الدهر فعلك للعلا
وقولك للتقوى وكفك للرفد
وله مع المتنبي وقائع ومعارضات في الأناشيد، ومنافسة، حكى أبوالخطاب ابن عون الحريري النحوي الشاعر انه دخل على أبي العباس النامي فوجده جالسا ورأسه كالثغامة بياضا، وفيه شعرة واحدة سوداء، فقال له: يا سيدي في رأسك شعرة سوداء!؟ قال: نعم، هذه بقية شبابي وانا افرح بها ولي فيها شعر، قلت: أنشدنيه، فانشدني:
رأيت في الرأس شعرة بقيت
سوداء تهوى العيون رؤيتها
فقلت للبيض اذ تروّعها
بالله ألا رحمت غربتها
فقل لبث السوداء في وطن
تكون فيه البيضاء ضرتها
ثم قال لي: يا أبا الخطاب، بيضاء واحدة تروع ألف سوداء، فكيف حال سوداء بين ألف بيضاء، ومن غزلياته الجميلة قوله:
أحقا إن قاتلتي زرود
وأن عهودها تلك العهود
وقفت وقد فقدت الصبر حتى
تبين موقفي أني الفقيد
اما بيته المشار اليه فهو ضمن أبيات يقول فيها:
أتاني في قميص اللاذ يسعى
عدو لي يلقب بالحبيب
وقد عبث الشراب بمقلتيه
فصير خده كسنا اللهيب
فقلت له: بما استحسنت هذا
لقد اقبلت في زي عجيب!!
أحمرة وجنتيك كستك هذا
أم أنت صبغته بدم القلوب؟
فقال الراح أهدت لي قميصا
كلون الشمس في شفق المغيب
فثوبي والمدام ولون خدي
قريب من قريب من قريب
تأمل البيت الأخير حيث جعل النامي ثوب هذه الفتاة والخمر وخدها لوناً واحداً، قال ابن خلكان في الجزء الاول من وفيات الأعيان: توفي النامي سنة تسع وتسعين وثلاثمئة للهجرة، وقال في رواية أخرى: سبعين أو إحدى وسبعين بحلب وعمره تسعون سنة «أقول» وعلى تقدير عمره الأصح في تاريخ وفاته ما ذكره القاضي ابن خلكان في البداية، والمصيصي المنسوب لها النامي بكسر الميم والصاد المهملة المشددة، وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعدها صاد ثانية مهملة، وهي مدينة على ساحل البحر الرومي، قريبة من طرسوس والسيس، وتلك النواحي «تركيا الآن» بناها صالح بن علي بن عبدالله بن عباس عم أبي جعفر المنصور سنة اربعين ومئة للهجرة، أكتفي بهذا القدر،دمتم سالمين.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث