جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 07 أغسطس 2018

بلا حدود

لا أقصد التقليل من شأن خطورة ظاهرة الشهادات المزورة. لا يهمني كم انفقت الدول على المتورطين في هذا الامر من طلاب ومسؤولين معنيين بمتابعة الاوضاع الدراسية للمبتعثين في الخارج. المشكلة ليست في الكويت فقط، وإنما هي مشكلة عامة  في اغلب دول الخليج العربي التي لديها بعثات خارجية كبيرة يصعب التيقن من مدى التزام طلابها المبتعثين بنظم الدراسة المعمول بها في الخارج وقد واجه زميل لي عمل استاذا مساعدا في جامعة بريطانية كبرى مشاكل وضغوطا من قبل ملحقين عرب انصاعوا لرغبات الطلاب، وأخذوا يساومون الجامعات على وجوب ضمان تفوق، وليس نجاح الطلاب، الذين كان الكثير منهم غير موجودين. وأعرف شابا من اصول عربية واجه نفس المشكلة، وكره مهنة التعليم الاكاديمي لأسفه لمثل هذه التطورات وانتقل للعمل في المجال المصرفي. استغربت تصرفه الا انه قال ان خيانة الامانة ومجاراة الضغوط والاغراءات المالية، مسألة ارقت عليه حياته، الا انه اعترف بشجاعة بأن احوال الطلبة الاميركيين الذين يواصلون دراساتهم الجامعية او الاكاديمية لا تختلف كثيرا عن الطلبة العرب الذين يريدون الشهادة لا العلم. المشكلة اننا نعيش في عالم، خصوصاً في الجزء العربي منه، حدود نقل العدوى في اي امر غير ايجابي او غير صحي، عالية ولا رادع لها. يصعب علي القول ان كل الامة، بكل أسف، امة رواتب وليست امة عمل. ففي حقيقة الامر ليست هنالك اي نسبة للانتاج. حتى العاملون في القطاع النفطي في مدينتي البصرة التي يعيش العراق على عائداتها، هم في آخر الامر موظفون. سأظل اكرر ان البصرة مدينة الجاحظ والاصمعي والحسن البصري  والفرزدق ورابعة العدوية، وهي مدينة اول مدرسة للغة العربية ومدينة السياب وعارف البصري، هي اكبر مدينة منتجة للنفط في العالم على مستوى المدن لا الدول، وهي مع ذلك  ضمن قائمة الدول الافقر في العالم. في وقت ما قبل 1958 كانت البصرة من بين المدن النموذجية في العالم. كانت تنتج اكبر كمية من التمور الى جانب انتاج النفط. انهار وصناعات ولو صغيرة الا انها كانت تشغل اجيالا من البشر المبدعين في الثقافة والرياضة والفن والفكر. البصرة عرفت بادارتها لميناءين بحري ونهري كبيرين ومطار هو الاول في الشرق الاوسط. اربعة ملايين ونصف المليون برميل من النفط انتاج البصرة يوميا وفيها إحدى اوائل المصافي النفطية. ومع هذا فهي من دون كهرباء وماء ومدارس ومؤسسات صحية تتوافق مع مكانة هذه المدينة التي عرفت باسم فينيسيا الشرق والتي كانت قبلة انظار وحلم اغلب اهل الخليج الذين اطلقوا على كل شيء جميل في حياتهم اسم «بصرى» تيمنا بجمال البصرة وتقدمها آنذاك. التزوير ليس مهنة ولا بدعة، فهو موجود منذ الازل، وهو صناعة الخائبين والمتخلفين والجهلة والكسلة . وهو امر موجود وشائع في عدد غير قليل من الدول والمجتمعات وبنسب عالية بين اجمالي البشر وقد حرم الاف الرياضيين الروس من المسابقات الدولية والاولمبية بسبب ثبوت تعاطيهم للمنشطات المحرمة. عالمنا الحالي مزور بمجمله. لا عدد كافياً من العلماء والباحثين الذين ضجت بهم العصور من قبل. ولا فلاسفة ولا مفكرين وشعراء على مستوى العالم امثال طاغور وعمر الخيام. وعربيا امرؤ القيس والمتنبي واحمد شوقي والجواهري ومحمود درويش والبارودي والسياب ونازك الملائكة ونزار قباني واحمد رامي وأحمد مطر وعبدالله البردوني وسميح القاسم وعبدالرزاق عبدالواحد وبشارة الخوري «الاخطل الصغير» وابوالقاسم الشابي واعتذر من القراء ومن الشعراء ممن غاب اسمه عن ذهني لحظة كتابة المقال. وللامانة وللتاريخ ليس بين شعراء العالم غير العرب من هم بملكة العرب في الشعر، لأن الشعر العربي هو الوحيد الذي يعتمد بحورا محددة وقوافي صعبة على سواهم لذلك تظل العربية لغة القرآن هي الاعذب بين كل لغات البشر والامم. وهي الاخرى تواجه الآن حركة تشويه وتزوير وافتراء واختطاف. وبعد ذلك لا يريدون شهادات مزورة في عصر يتم تزوير كل شيء فيه بالعلم خلافا لوظيفة العلم. انه تزوير بلا حدود.

د. هشام الديوان

د. هشام الديوان

بين السطور

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث