جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 07 أغسطس 2018

وما كان بيني لو لقيتك سالماً وبين الغنى إلا ليال قلائل

حظ عاثر ومقادير حالت بين هذا الشاعر وبين ما يتمنى، كان على موعد مع الثراء وحسن الحال لولا مشيئة الله تعالى، أيام معدودة جعلته يندب حظه العاثر، فما هي حكاية هذا البيت؟ أولا صاحب البيت الشاعر المخضرم الحطيئة العبسي، والقصة انه بعد ان اطلق سراحه الفاروق عمر، رضي الله عنه، واشترط عليه ألا يهجو أحدا، طلب من عمر ان يكتب له كتاب توصية لواليه على حوران علقمة بن علاثة العامري، فكتب له عمر كتابا فأخذه الحطيئة وتوجه الى حوران، وكان علقمة على جانب عظيم من السخاء، ومن سوء حظه وصل حوران وقد سُوّي التراب على علقمة، والناس منصرفون من قبره، وابنه واقف فتقدم اليه وقال أبياتا منها:
الى القائل الفعّال علقمة الندى
رحلت قلوصي تجتويها المناهل
الى ماجد الآباء فرع عثمثم
له عطن يوم التفاضل أهل
وما كان بيني لو لقيتك سالماً
وبين الغنى إلا ليال قلائل
لعمري لنعم المرء من آل جعفر
بحوران أمسى أعلقته الحبائل
لقد غادرت حزما وبرا ونائلا
ولبا أصيلا خالفته المجاهل
لعمري لنعم المرء لا واهن القوى
ولا هو للمولى على الدهر خاذل
لعمري لنعم المرء إن عيّ قائل
عن القيل أو دنى عن الفعل فاعل
لعمري لنعم المرء لا متهاون
عن السورة العليا ولا متخاذل
يداك خليج البحر إحداهما دم
وإحداهما جود يفيض ونائل
فإن تحيَ لا أملل حياتي وإن تمت
فما في حياتي بعد موتك طائل
فسأله ابن علقمة: كم كنت ترجو من والدي لو كان حيا؟ فذكر الحطيئة عددا من الإبل، فضاعفها له وشكره، فجاءه الفرج بعد اليأس، ولله در إبراهيم بن العباس حيث يقول:
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظنها لا تفرج
اما علقمة فهو احد اشراف العرب، واسمه: علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر العامري، وكان من المؤلفة قلوبهم، حليما كريما عاقلا، ارتد عن الاسلام ثم عاود اسلامه فولاه عمر بن الخطاب حوران، فمات في خلافة عمر وهو وال عليها.
أما الحطيئة فهو: أبو مليكة جرول بن أوس بن مالك العبسي، شاعر أدرك الجاهلية والاسلام، أسلم ثم ارتد ثم عاود الاسلام، وهو اشهر شاعر هجاء عرفه التاريخ الإسلامي، هجا أمه وأباه ونفسه، ولنفسه قال:
أرى لي وجها قبح الله خلقه
فقبّح من وجه وقبح حامله
ولأمه قال:
تنحي واخرجي عني بعيدا
أراح الله منك العالمينا
ومع ذلك فهو صاحب أفضل بيت شعر قيل في التقوى حيث يقول:
وتقوى الله خير الزاد ذخراً
وعند الله للأتقى مزيد
وله قصة مع عمر بن الخطاب في هجائه للزبرقان بن بدر مذكورة في أغلب المراجع الأدبية، وقد لقب بالحطيئة لقصر قامته، وأعجب ما في سيرته وصيته حين وفاته فقد قيل له: أوص فانك في آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، ما تقول في مالك؟ قال: للأنثى مثل حظ الذكر، قالوا: ما هكذا أوصى الله!  قال: ولكنني هكذا أوصيت، قال: فما تقول بعبيدك؟ قال: هم عبيد «قن» حتى تقوم الساعة، الى آخر الوصية التي ما انزل الله بها من سلطان، والظاهر انها ملفقة، مع ان كل المراجع ذكرتها، توفي الحطيئة في خلافة عثمان بن عفان، رضي الله عنه، بحدود سنة 30 هــ.
دمتم سالمين.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث