جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 26 يوليو 2018

إذا جئت الأمير فقل سلام ... عليك ورحمة الله الرحيم

هذا بيت ضمن أبيات مرتبة منمقة أقرب ما تكون من الرسالة يقولها الشاعر العباسي: زند بن الجون الأسدي بالولاء المشهور بلقبه: أبي دلامة، بدأ أبياته ببسم الله الرحمن الرحيم، ولهذا البيت قصة رواها ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال: ذكر ابن شبه في كتاب «أخبار البصرة» ان أبا دلامة كتب الى سعيد بن دعلج - وكان يتولى الأحداث بالبصرة - أبياتا وأرسلها إليه مع ابن عم له يقول فيها:
اذا جئت الأمير فقل سلام
عليك ورحمة الله الرحيم
وأما بعد ذاك فلي غريم
من الأعراب قبح من غريم
له ألف علي ونصف أخرى
ونصف النصف في صك قديم
دراهم ما انتفعت بها ولكن
وصلت بها شيوخ بني تميم
يظهر من هذه الأبيات انه يشكو دينا، فبعث له الأمير ما طلب، وأبو دلامة صاحب نوادر وحكايات وأدب ونظم، ذكر ابن الجوزي انه كان أسود، عبدا حبشيا اعتقه مولاه.
ادرك أبودلامة آخر دولة بني أمية ولم يكن له نباهة في أيامهم، ونبغ في أيام بني العباس، فانقطع الى السفاح والمنصور والمهدي، وكانوا يقدمونه ويفضلونه ويستطيبون نوادره، ومن حكاياته الظريفة انه دخل على محمد المهدي الخليفة العباسي الثالث، وكان الى جانبه وزيره وأخوه ورئيس حرسه، فنظر اليه المهدي متظاهرا بالغضب وقال: لئن لم تهج أحدا في هذا المكان لاقطعن رأسك، فدهش وعلم انه قد وقع، فهجا نفسه لينجو وقال:
ألا أبلغ اليك أبا دلامة
فليس من الكرام ولا كرامة
اذا لبس العمامة كان قردا
وخنزيرا اذا نزع العمامة
جمعت دمامة وجمعت لؤما
كذاك اللؤم تتبعه الدمامة
فان تك قد أصبت نعيم دنيا
فلا تفرح فقد دنت القيامة
فضحك القوم وأجازه المهدي، وابو دلامة في الأصل اثيوبي ولد في الرقة، وانتقل الى الكوفة، ومع قيام الدولة العباسية  رحل الى الهاشمية عاصمة الخليفة العباسي الأول عبدالله السفاح، ثم كانت محطته الأخيرة بغداد، وقد عاصر السفاح والمنصور والمهدي، وهناك من يذكر انه عاصر الهادي والرشيد وهو قول لا يعول عليه، ولما قتل المنصور أبا مسلم الخرساني سنة 137هـ وصفت له الخلافة دخل عليه أبودلامة والمنصور في محفل من الناس، وقال يهجو أبامسلم، ويمدح المنصور.
أبا مسلم ما غير الله نعمة
على عبده حتى يغيرها العبد
أبا مسلم خوفتني القتل فانتحى
عليك بما خوفتني الأسد الورد
أفي دولة المنصور حاولت غدره
ألا ان أهل الغدر آباؤك الكرد
فقال له المنصور: احتكم، فقال: عشرة آلاف درهم، فأمر له بها، فلما خلا به قال له: أما والله لو تعديت العشرة آلاف لقتلتك، ولأبي دلامة حكايات كثيرة مع المنصور والمهدي وكان مدمنا على الخمر، قليل البضاعة في دينه، أخبر المنصور انه لا يصلي، فألزمه الصلاة في مسجده، ووكل به من يراقبه، فخاف المنصور وحضر الصلاة، فمر به يوما أبوأيوب المورياني وزير المنصور، فدفع اليه أبو دلامة رقعة مختومة وقال له: هذه ظلامة لأمير المؤمنين فأوصلها أعزك الله اليه بخاتمها، فأخذها أيوب واعطاها المنصور فقرأها فاذا فيها:
ألم تعلموا ان الخليفة لزّني
بمسجده والقصر، مالي وللقصر
أصلي به الأولى مع العصر دائما
فويلي من الأولى وويلي من العصر
فوالله مالي نية في صلاتهم
ولا البر والاحسان والخير من أمري
وما ضره والله يصلح أمره
لو ان ذنوب العالمين على ظهري
فضحك المنصور وأعفاه بعد محاورة طويلة بينهما، وكانت وفاة أبو دلامة سنة 161هـ وقيل 167هـ، والله اعلم.
دمتم سالمين.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث