جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 24 يوليو 2018

إنّي وهبت لظالمي ظُلمي وغفرت ذاك له على علمي

من منا يقبل بالظلم، أو أن يكون ظالماً؟ أيرضى المرء ان ينتهك حق غيره بالقوة؟ ليعلم الجميع أن الظالم لا يفلح أبداً، لأنه على الظالم تدور الدوائر، «وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون»، وليس بالضرورة أن تظلم من ظلمك فلك في رسول الله الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، عندما افتتح صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة قال لأهلها الذين آذوه وحاربوه وحاولوا قتله: ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، يقول المولى عز وجل: «ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار» «إبراهيم 42»، وما من ظالم الا سيبتلى بظالم، وحتى من أعان ظالما على ظلمه سيسلط الله عليه ظالما،فالله سبحانه وتعالى نهى أشد النهي عن الظلم، يقول الإمام علي بن أبي طالب:
لا تظلمنّ إذا ما كنت مقتدراً
فالظلم مرتعه يُفضي إلى الندم
تنام عينك والمظلوم منتبهُ
يدعو عليك وعين الله لم تنم
ويقول ابوالعتاهية إسماعيل بن القاسم أيضا:
أما والله إن الظلم شؤم
ولا زال المسيء هو الظلوم
الى الديّان يوم الدين نمضي
وعند الله تجتمع الخصوم
أما البيت عنوان الموضوع فأمره مختلف، لقد سامح من ظلمه وعفا عنه، مصداقاً لقول الله تعالى: «وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله ان الله لا يحب الظالمين» «الشورى 42» هذا الشاعر عالم ان العفو عن الظالم له مثوبة عند الله تعالى، لذلك اختار ثواب الله على الاقتصاص لنفسه، فما عند الناس ينفد وما عند الله باق، وهذا البيت ضمن أبيات حكمة للشاعر العباسي محمود بن الحسن الوراق المولود في الكوفة دون ان يذكر احد تاريخ ولادته، ثم انتقل الى البصرة في صباه، فنشأ بها وهو في الأصل مولى بني زهرة، ثم عمل في الوراقة وسمي الوراق نسبة لهذه المهنة، ثم عمل بعد ذلك «نخاساً» وعشق إحدى جواريه واسمها «سكن» وكانت على قدر كبير من الجمال، واضطر الى بيعها بعد افلاسه، ولما أشرفت على الرحيل بكت وقالت له: أهذا آخر أمري وأمرك، اخترت عليَّ مائة ألف درهم!! فقال لها: أفتجلسين معي على الفقر! قالت: نعم، وكانت الجارية تحبه، فاستردها ثم أعتقها وتزوجها، وظلت معه حتى وفاته، ويعد محمود الوراق من الشعراء المجيدين المكثرين، إلا أن شعره مفقود ولم يبق منه إلا القليل، وكان في بداية حياته ماجنا،يغلب على شعره اللهو والعبث، إلا أنه تاب بعد ذلك، وقال الشعر في الحكمة والزهد حتى أصبح أشهر الشعراء في هذا الجانب، ومن حكمه قوله:
إني وهبت لظالمي ظلمي
وتركت ذاك له على علمي
ورأيته أسدى إلي يداً
لما أبان بجهله حلمي
لازال يظلمني وأرحمه
حتى رثيت له من الظلم
وهو القائل والبعض يعزوها للإمام محمد بن إدريس الشافعي:
تعصى الإله وأنت تظهر حبه
هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لاطعته
ان المحب لمن يحب مطيع
في كل يوم يبتديك بنعمة
منه وأنت لشكر ذاك مضيع
توفي محمود الوراق سنة 230هـ... دمتم سالمين.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث