جريدة الشاهد اليومية

الأحد, 08 يوليو 2018

ثقافة اللوفر

أتاحت لي فرصة تواجدي في باريس لبضعة أيام لحضور مراسم زواج أحد ابنائي، ان اقوم بزيارة لمتحف اللوفر برفقة بعض افراد العائلة. كانت آخر مرة زرت فيها هذا المتحف، الثري بكنوز فنون حضارات عصر النهضة وبعض المقتنيات والاثار الاسلامية، قبل نحو ستة عشر عاماً. تغيرت خلال هذا الوقت مواقع بعض اللوحات الشهيرة وأقيمت المزيد من الاجنحة وخاصة العربية والاسلامية والشرقية والتركية والمصرية. وهي في عمومها ثقافات بشرية. وسعدت بالقناعة التي وصل إليها ابني الاكبر وهو يحمل الدكتوراه في الكيمياء من جامعة «كتغز كوليج» في ان سر اهتمام الاوروبيين بالرسوم والفنون والتماثيل يعود الى افتقادهم الى التاريخ القديم مثل العرب والمسلمين والاغريق والرومان وسواهم. هذه الحضارات كلها مرتبطة بالعرب تحديدا. اما التاريخ الاوروبي فهو تاريخ حديث نسبيا  لذلك فإن من يرى نابليون بتمثال اسطوري أو بنماذج بشرية وحيوانية ترمز الى الخرافة والقوة فيجب ألا يتساءل عن السبب فلانهم  بعيدون عن هذا التاريخ. حتى الموناليزا وعشرات اللوحات العالمية الشهيرة التي رسمت خلال العصور الوسطى أي قبل أربعمئة او حمسمائة سنة بما فيها التي رسمت عن سيدنا المسيح، انما انجزت من قبل فناني هذه الفترة « العصور الوسطى او عصر النهضة» ولا علاقة لها بتاريخ ما قبل او بعد الميلاد بسنوات او عقود  بينما الاهرامات أو مسلة حمورابي أو بوابة عشتار المعروضة في المتحف الالماني انما اعدت للبشرية منذ ذلك التاريخ اي انها عاصرت مادة المعروضات الحالية وبالتالي فإن اغلبها اصلية وليست تقليداً. كان هنالك الكثير من الاهتمام هذه المرة من قبل الاسيويين بلوحة ليوناردو الموصومة بالموناليزا والتي لاتزال ابتسامة هذه السيدة الايطالية مثار اجتهاد في التفسير وتحليق فلسفي ما بين جفون الموناليزا  وبؤبؤ العينين. وكان هنالك اهتمام اكبر بالتحف العراقية والمصرية عن حضارتي وادي الرافدين وووادي النيل اكثر من التحف الاسلامية التي تعد قليلة قياسا بأهمية محتويات متحف الكويت للاثار الاسلامية للشيخ ناصر صباح الأحمد والشيخة حصة صباح السالم ومتحف الاثار الاسلامية في الدوحة. إلا أن زوار الركن الشرقي والمقتنيات الاسلامية في متحف اللوفر جلهم من الباحثين والذويقة واللافت ان احدى المطربات الاميركيات من ذوات الاصول الافريقية صورت مجموعة عروض واغتيات في اجنحة متحف اللوفر وتحت اللوحات الخاصة بغزوات الامبراطور الفرنسي نابليون بونابرت، وكأنها تقول للرئيس الاميركي الحالي دونالد ترامب ان الاميركيين السود باتوا الاكثر ثراء من اي وقت مضى ولدى كبار نجومهم مئات الملايين وبعضهم المليارات من الدولارات ولديهم الطائرات الخاصة. وهي رسالة موجهة الى نابليون بونابرت الغائب بروحه والموجود بصوره وتماثيله، ولمن يفهم فإن الرسالة من خلال مجموعة الاغاني التي ادتها هذه المطربة وبالطريقة التي صورت بها والكلمات التي نصت عليها تفتح شهية ثقافة جديدة للوفر.  وباتت الهواتف الذكية شريكة الان في نقل المعرفة من متحف اللوفر الى بقية العالم . فنادرا ما ترى من بين جموع آلاف البشر من كل العالم التي تدخل وتخرج من المتحف دون ان ترى هذه الهواتف تلتقط صورا للمعروضات اكثر من التقاطها صورا للاشخاص. وبعد ان كان ممنوعاً ان تلتقط الصور بالكاميرات التقليدية وفلاشاتها المضيئة التي كان يقال انها قد تؤثر على ألوان المعروضات وخاصة اللوحات مثل الموناليزا ولوحات دي لاكرو ورامبرانت، بات مسموحا الان للهواتف الذكية ان تفعل ما تشاء. تظل القيمة الحقيقية لهذه المعروضات ممثلة بالرعاية والعناية والحماية التي توليها هذه الدول لمثل هذه المعروضات وهي بمجملها لا تعود بأي صلة إلا ما ندر منها، بالدولة الحاضنة لها.

د. هشام الديوان

د. هشام الديوان

بين السطور

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث