جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 21 يونيو 2018

«السكوت من ذهب»

اذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، وأنت ايها الرجل وكلنا هذا الرجل اذا تكلمت فقل خيرا او اصمت، لا خير في القيل والقال وكثرة السؤال، ثم لا تتدخل فيما لا يعنيك ولا تسأل عن امر ليس من شأنك احفظ لسانك حتى تفرض احترامك على الناس، ويقول لقمان الحكيم: ان من الحكمة الصمت، وقليل فاعله:
احفظ لسانك واستعذ من شره
ان البلاء ببعضه مقرون
واحفظ لسانك واحتفظ من غيه
حتى يكون كأنه مسجون
وأجمل ما قيل في هذا المعنى قول يعقوب بن السكيت:
يصاب الفتى من عثرة في لسانه
وليس يصاب المرء في عثرة الرجل
فعثرته في القول تودي برأسه
وعثرته بالرجل تبرأ على مهل
الا ترى العرب يقولون «البلاء موكل بالمنطق» وفي ذلك يقول الامام محمد بن ادريس الشافعي رضي الله عنه:
وجدت سكوتي متجرا فلزمته
اذا لم اجد ربحا فلست بخاسر
وما الصمت الا في الرجال متاجر
وتاجره يعلو على كل تاجر
ولا شك ان عثرة الرجل اخف بكثير من عثرة اللسان فقد قيل: عثرة الرجل عظم يجبر وعثرة اللسان لا تبقي ولا تذر، وقد قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم «ان العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها، يهوي بها في النار ابعد ما بين المشرق والمغرب» «رواه مسلم»، فالى متى يتاجر بعض الناس بالكلام، الا يخافون حصائد ألسنتهم خاصة من يتاجر بالكذب ويرغم الناس على تصديقه فان لم تصدقه فأنت الكاذب؟ وما اكثر الذين اضاعتهم زلات ألسنتهم! قال رجل لعمرو بن عبيد: ان الاسواري مازال يذكرك في قصصه بشر!! فقال له عمرو: يا هذا، ما رعيت حق مجالستك الرجل، حيث نقلت الينا حديثه، ولا ادريت حقي حين اعلمتني عن اخي ما اكره، ولكن أعلمه ان الموت يعمنا، والقبر يضمنا، والقيامة تجمعنا، والله تعالى يحكم بيننا، وهو خير الحاكمين، وجاء رجل الى وهب بن منبه فقال له: اني مررت بفلان وهو يشتمك فغضب وهب وقال: أما وجد الشيطان رسولا غيرك؟ ودخل شريك بن الاعور على معاوية بن ابي سفيان فقال له: انك لدميم، والجميل خير من الدميم، وانك لشريك وما لله تعالى من شريك!! وان اباك الاعور، والصحيح خير من الاعور فكيف سدت قومك؟ فقال شريك على البديهة، انك لابن صخر والسهل خير من الصخر وانك لابن حرب والسلام خير من الحرب وان جدك امية، وما امية الا امة صغرت!! فكيف صرت امير المؤمنين؟ ثم خرج وهو يقول:
ايشتمني معاوية بن حرب
وسيفي صارم ومعي لساني
وحولي من ذوي يزن ليوث
ضراغمة تهش الى الطعان
وكان الصحابي عبدالله بن مسعود يقول: والله الذي لا اله الا هو ما على ظهر الارض شيء احوج الى طول سجن من اللسان، يقول ابوالعتاهية اسماعيل بن القاسم بن سويد 130 هـ -213هـ:
من يعش يكبر ومن يكبر يمت
المنايا لا تبالي من أتت
نحن في دار بلاء وأذى
وشقاء وعناء وعنت
منزل ما يثبت المرء به
سالما الا قليلا ان ثبت
ايها المغرور ما هذا الصبا
لو نهيت النفس عنه لانتهت
ثم يقول وهو بيت القصيد:
رحم الله امرأ انصف من
نفسه ان قال خيرا او سكت
كان العكوك الشاعر من زوار الامير ابودلف العجلي والعكوك لقب وانما اسمه علي بن جبلة الانباري وكان يمدح ابودلف في اشعاره فيعطيه عطاء سخيا حتى انه اعطاه مئة الف درهم دفعة واحدة فقال فيه ابياتا كانت سببا في هلاكه منها:
انما الدنيا ابودلف
بين مغزاه ومحتضره
فاذا ولى ابودلف
ولت الدنيا على اثره
ثم زاد الطين بلة حيث قال فيه:
أنت الذي ينزل الايام منزله
وتنقل الدهر من حال الى حال
وما مددت مدى طرف الى احد
الا قضيت بأرزاق وآجال
فبلغ الخليفة عبدالله المأمون هذه الابيات فغضب غضبا شديدا وقال:
اطلبوه فطلبوه في كل مكان فلم يجدوه، وكان مقيما بالجبل ثم فر الى الجزيرة ثم الى الشام، ثم ظفروا به، وحملوه مقيدا الى المأمون، فقال له، يا ابن اللخناء! جعلتنا نستعير المكارم من ابي دلف؟ فقال يا امير المؤمنين، انتم اهل بيت لا يقاس بكم احد، فقال له والله ما أبقيت احدا ولا استحل دمك بهذا وانما أستحله بقولك:
أنت الذي تنزل الايام منزلها
وتنقل الدهر من حال الى حال
وما مددت مدى طرف الى احد
الا قضيت بأرزاق وآجال
ذلك هو الله تعالى، أخرجوا لسانه من قفاه، ففعلوا به ذلك فمات وكان العكوك اعمى وهو من فحول الشعراء في دولة بني العباس جعلنا الله وإياكم ممن يسمعون القول فيتبعون احسنه.
دمتم سالمين وفي امان الله.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث