جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 21 مايو 2018

لولا الحياء وأنّ رأسي قد عثا فيه المشيب لزرت أم القاسم

عندما يغزو الشيب رأس المرء، ويتقدم به السن، تصبح الأمور التي كانت سهلة أيام شبابه شبه مستحيلة، ولله الجاحظ حيث يقول:
أترجو أن تكون وأنت شيخ
كما قد كنت أيام الشباب!
لقد كذبتك نفسك ليس ثوب
دريس كالجديد من الثياب
أما صاحب بيت الشعر فهو يتمنى أن يزور محبوبته أم القاسم إلا أن الحياء، وهو الاحتشام والشيب الذي ملأ رأسه يمنعاه من ذلك، وهذا دليل على تقوى وورع هذا الشاعر، فالحياء شعبة من شعب الايمان، وقوله عثا برأسه المشيب، معناه ان الشيب انتشر برأسه انتشاراً كبيراً وملأه، ثم يقول بعد ذلك:
وكأنها بين النساء أعارها
عينيه أحور من جآذر جاسم
في هذا البيت يصف عيون أم القاسم بأنها عيون ظباء قرية جاسم شديدة البياض، شديدة السواد، فاترة، فهي مختلفة عن النساء بهذه الصفة الرائعة، ثم يكمل وصفه لعيون أم القاسم فيقول:
وسنان أقصده النعاس فرنقت
في عينه سنة وليس بنائم
غلبت عيونها النعاس من غير الحاجة الى النوم، فعندما تنظر إليها يخيل إليك ان عيونها ناعسة وهذه صفة لجمالها الشديد فكأن السنة وقفت فيها،  فهي فاترة حوراء، لذا شبهها بعين جؤذر، ثم يقول بعد ذلك:
يصطاد يقظان الرجال حديثها
وتطير لذته بروح الحالم
ومن الضلالة بعدما ذهب الصبا
نظري إلى حور العيون نواعم
صاحب هذه الأبيات شاعر الشام في وقته ابن الرقاع، عدي بن زيد بن مالك بن عدي بن زيد بن مالك الرقاع العاملي القضاعي، كنيته: أبو داود، ولم يذكر أحد تاريخ ولادته، إلا انه عاصر عدداً من خلفاء الدولة الأموية، بدءاً بعبدالملك بن مروان فالوليد بن عبدالملك ثم سليمان بن عبدالملك وعمر بن عبدالعزيز،وكان شاعر الوليد بن عبدالملك، وقد عاصر جرير بن عطية، والفرزدق والأخطل، وكان من طبقتهم إلا انهم غلبوه بالشهرة لكثرة أسفارهم، وقد سأل جرير بن عطية عن أنسب الشعراء فقال: ابن الرقاع حيث يقول:
لولا الحياء وأن رأسي قد عثا
فيه المشيب لزرت أم القاسم
وعندما سار عبدالملك بن مروان لقتال مصعب بن الزبير قال ابن الرقاع:
لعمري لقد أصحرت خيلنا
بأكناف دجلة للمصعب
إذا ما منافق أهل العراق
عوتب ثمة لم يعتب
دلفنا إليه بذي تدرإ
قليل التفقد للغيب
يهزون كل طويل القناة
ملتئم النصل والثعلب
كأن وعاهم إذا ما غدوا
ضجيج قطا بلد مخصب
فقدمنا واضح وجهه
كريم الضرائب والمنصب
فداؤك أمي وأبناؤها
وان شئت زدت عليها أبي
وما قلتها رهبة إنما
يحل العقاب على المذنب
وهو القائل في الوليد بن عبدالملك:
إن الوليد أمير المؤمنين له
ملك عليه أعان الله فارتفعا
هو الذي جمع الرحمن أمته
على يديه وكانوا قبله شيعا
وشعر ابن الرقاع لا يقف على الفخر والمدح، وانما أحاط شعره بالهجاء والخمر والوصف والغزل، وفي الخمر يقول:
كميت اذا شجت وفي الكأس وردة
لها في عظام الشاربين دبيب
تريك القذى من دونها وهي دونه
لوجه أخيها في الإناء قطوب
توفي ابن الرقاع سنة 95 هـ.
دمتم سالمين.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث