جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 15 مايو 2018

دخلنا مكرهين بها فلما ألفناها خرجنا مكرهينا

بيت يثير الدهشة والعجب، ولا يخلو من الواقعية، يصور حال شاعره عند دخوله بلاداً رغم أنفه وبلا رغبة منه، وما ان استقر بها وتعود عليها وأحبها حتى خرج منها مجبراً، فأصبح بذلك كارهاً لدخولها كارهاً للخروج منها ومثل هذا الأمر يقع لكثير من الناس وانما العجيب هنا الدخول كرها والخروج كرها، وهنا لابد أن نذكركم بقول المولى عز وجل: «كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون» «216»- البقرة.
إذاً أيها السادة، الخيرة فيما اختاره الله، والصبر على المكاره شيمة المؤمن، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن إصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وان اصابته ضراء صبر فكان خيراً له»- أخرجه مسلم في صحيحه، وفي هذا الأمر يقول أبوعلي الأنباري:
إذا اشتد عسر فارج يسراً فإنه
قضى الله أن العسر يتبعه يسر
إذا ما ألمت شدة فاصطبر لها
فخير سلاح المرء في الشدة الصبر
وإني لأستحيي من الله أن أُرى
إلى غيره اشكو إذا مسّني الضر
عسى فرج يأتي به الله إنه
له كل يوم في خليقته أمر
وعلى نفس هذا الأمر يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:
إذا اشتملتْ على اليأس القلوبُ 
وَضَاْقَ بِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرَّحِيْبُ
وأوطنت المكارهُ واستقرت 
وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الخُطُوْبُ
ولم ترَ لانكشاف الضرِّ وجهاً 
ولا أغنى بحيلته الأريبُ
أتاكَ على قنوطٍ منك غوثُ 
يمنُّ به اللطيفُ المستجيبُ
وكلُّ الحادثاتِ اذا تناهتْ 
فَمَوْصُولٌ بِهَا فَرَجٌ قَرْيَبُ
أما بيت الشعر المشار إليه في البداية، فيقوله الشاعر العباسي عباس بن الأحنف، أبو الفضل الحنفي، اليماني النجدي إمام العاشقين، كان رقيق الغزل، سهل العبارة، قليل التكلف، وهو عربي النسب، ذكر البحتري أنه أغزل الناس، خالف طريقة الشعراء فلم يتكسب بالشعر، أكثر شعره بالنسيب والوصف والغزل، وله أشعار في غاية الجودة بمحبوبته فوز.
وقد أثنى عليه الجاحظ وقال في حقه: «العباس بن الأحنف أحذق الناس وأشعرهم وأوسمهم كلاما وخاطراً... انتهى»، وهو صاحب البيت الرائج.
وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى
ولا خير فيمن لا يحب ويعشق
روي أن هارون الرشيد قال بيتاً من الشعر ليلاً، وأراد أن يكمله ببيت ثان فلم يستطع ذلك، فقال: علي بالعباس بن الأحنف، فلما طرق عليه ليلاً خاف خوفاً شديداً، وخاف أهله وفزعوا، فلما وقف أمام هارون الرشيد هدأ من روعه، وقال له: وجهت إليك بسبب بيت قلته ورمت أن اشفعه بمثله فلم أقدر على ذلك، فقال العباس: يا أمير المؤمنين، دعني حتى ترجع إلي نفسي، فإني تركت عيالي على حالة عظيمة من القلق، ونالني من الخوف ما يتجاوز الحد، فتركه الرشيد قليلاً ثم قال له:
جنان قد رأيناها
ولم نر مثلها بشرا
فقال العباس بن الأحنف:
يزيدك وجهها حسنا
إذا ما زدته نظرا
فقال الرشيد: زدني، فقال:
إذا ما الليل سال عليك
بالإظلام واعتكرا
ودجّ ولم تر قمرا
فأبرزها تر قمرا
فقال له: قد ذعرناك، وأفزعنا عيالك، وأقل الواجب أن نعطيك ديتك، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
ومن أجمل ما قاله العباس بن الأحنف:
سكوتي بَلاءٌ لا أُطيقُ احتِمالَهُ 
وقَلبي ألُوفٌ للهَوى غَيرُ نازعِ
فأُقِسمُ ما تركي عِتابَكِ عن قِلى  
ولكن لعلمي أنّهُ غيرُ نافعِ
وأنّي إذا لم ألزَمِ الصّبرَ طائِعاً 
فلا بُدّ منهُ مُكرَهاً غيرَ طائعِ
ولو كانَ ما يرضيكِ عني ممثَّلاً 
لكنتُ لِما يُرضيكِ أوَّلَ تابعِ
إذا أنتِ لم يَعطِفكِ إلاّ شَفاعَة 
فلا خيرَ في وُدٍّ يكونُ بشافعِ
روى المسعودي في مروج الذهب، عن جماعة من أهل البصرة قالوا: خرجنا نزيد الحج، فلما كنا ببعض الطريق، إذا غلام واقف على الطريق، وهو ينادي: هل فيلم أحد من أهل البصرة،  قال: فملنا إليه، وقلنا له: ما تريد؟ قال: إن مولاي يريد أن يوصيكم، فذهبنا معه فإذا بشخص ملقى على بعد من الطريق تحت شجرة، لا يحير جواباً، فجلسنا حوله فأحس بنا فرفع طرفه وهو لا يكاد يرفعه ضعفاً وأنشأ يقول:
يا غريب الدار عن وطنه
مفرداً يبكي على شجنه
كلما جد البكاء به
دبّت الأسقام في بدنه
ثم أغمي عليه طويلاً ونحن جلوس حوله، إذ أقبل طائر فوقع على أعلى الشجرة، وجعل يغرد ففتح عينيه وجعل يسمع تغريد الطائر ثم انشأ يقول:
ولقد زاد الفؤاد أسى
طائراً يبكي على فننه
شفّه ما شفّني فبكى
كلنا يبكي على سكنه
ثم تنفس تنفساً فاضت نفسه منه، فلم نبرح من عنده حتى غسّلناه وكفناه وتولينا الصلاة عليه، فلما فرغنا من دفنه سألنا الغلام عنه، فقال: هذا العباس بن الأحنف «انتهى» وهذه الرواية تخالف ما ذكرته المراجع الأدبية من أنه توفي آخر خلافة هارون الرشيد وصلى عليه عبدالله المأمون وعلي الكسائي سنة 192هـ، والله أعلم بالصواب.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث