جريدة الشاهد اليومية

الأحد, 06 مايو 2018

لو كنت أعلم أن آخر عهدكم يوم الرحيل فعلتُ ما لم أفعلِ

ترى ما الذي كان فاعله هذا الشاعر، لو كان يعلم أن يوم الرحيل هو آخر يوم يرى فيه محبوبته؟ نحن لا نعلم ما سيفعله إلا أن العاشق إذا علم أنه سيرى محبوبته للمرة الأخيرة فسيكون في حالة يرثى لها، وسيكون وقع هذا الأمر عليه شديداً للغاية، هذا البيت ضمن أبيات قالها الشاعر جرير بن عطية، بدأها غزلاً كعادة الشعراء ثم هجا فيها الفرزدق يقول في أولها:
لِمَنِ الدِيارُ كَأَنَّها لَم تُحلَلِ
بَينَ الكِناسِ وَبَينَ طَلحِ الأَعزَلِ
وَلَقَد أَرى بِكَ وَالجَديدُ إِلى بِلىً
مَوتَ الهَوى وَشِفاءَ عَينِ المُجتَلي
نَظَرَت إِلَيكَ بِمِثلِ عَينَي مُغزِلٍ
قَطَعَت حِبالَتَها بِأَعلى يَليَلِ
وَإِذا اِلتَمَستَ نَوالَها بَخِلَت بِهِ
وَإِذا عَرَضتَ بِوُدِّها لَم تَبخَلِ
وَلَقَد ذَكَرتُكِ وَالمَطِيُّ خَواضِعٌ
وَكَأَنَّهُنَّ قَطا فَلاةٍ مَجهَلِ
يا أُمَّ ناجِيَةَ السَلامُ عَلَيكُمُ
قَبلَ الرَواحِ وَقَبلَ لَومِ العُذَّلِ
لَو كُنتُ أَعلَمُ أَنَّ آخِرَ عَهدِكُم
يَومُ الرَحيلِ فَعَلتُ ما لَم أَفعَلِ
أَو كُنتُ أَرهَبُ وَشكَ بَينٍ عاجِلٍ
لَقَنَعتُ أَو لَسَأَلتُ ما لَم يُسأَلِ
ثم يقول للفرزدق:
أعددتْ للشعراء ِ سماً ناقعاً
فسقيت آخرهمْ بكأسِ الأولِ
لمّا وَضَعْتُ على الفَرَزْدَقِ مِيسَمي
وضغا البعيثُ جدعتُ أنفَ الأخطلِ  في أبيات كثيرة، روى إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيدالله أن جريراً زار المدينة المنورة، فاحتفى به القوم، وأقبلوا عليه يسألونه، وأشعب واقف عند الباب، ثم خرج القوم وبقي أشعب، فنظر إليه وجرير فقال: إنك لأقبح القوم وجهاً وآلامهم نسباً، ما بقاؤك هنا وقد خرج القوم؟ فقال له أشعب:
أنا والله أنفعهم لك، فانتبه جرير وقال: وكيف؟ قال: لأني أملّح شعرك، واندفع يغنيه قوله:
يا أُمَّ ناجِيَةَ السَلامُ عَلَيكُمُ
قَبلَ الرَواحِ وَقَبلَ لَومِ العُذّلِ
لَو كُنتُ أَعلَمُ أَنَّ آخِرَ عَهدِكُم
يَومُ الرَحيلِ فَعَلتُ ما لَم أَفعَلِ
فبكى جرير حتى اخضلت لحيته بالدموع، وقال له: والله إنك انفعهم لي وأحسنهم ترتيباً لشعري، فأعاد اشعب الغناء فجعل جرير يزحف حتى الصق ركبته بركبة أشعب، ثم وهب له دراهم وكساه حلة من حلل الملوك، ثم كان يرسل إليه طول مقامه بالمدينة، فيغنيه أشعب «انتهى».
وعن الهيثم بن عدي عن عوانة بن الحكم قال: لما تولى الخلافة عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه وفد إليه الشعراء، فأقاموا ببابه أياماً لا يؤذن لهم، فبينما هم كذلك وقد أزمعوا على الرحيل، إذ مر بهم وجاء بن حيوة، وكان قريباً من عمر بن عبدالعزيز، فلما رآه جرير داخلاً على عمر أنشأ يقول:
يا أيها الرجل المرخي عمامته
هذا زمانك فاستأذن لنا عمرا
فدخل رجاء على عمر ولم يذكر له من أمر الشعراء شيئاً، ثم مر بهم عون بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، فقال له جرير:
يا أيّهَا الرّجُلُ المزجي مطيته! 
هذا زمانكَ إني قدْ مضى زمني
أبلغْ خليفتنا إنْ كنتَ لاقيهِ
انيَّ لدى البابِ كالمصفودِ في قرنِ
لا تَنسَ حاجَتَنَا، لاقَيتَ مَغفِرَة
قَد طالَ مُكثيَ عن أهلي وَعن وَطني
فدخل عون على عمر فقال: يا أمير المؤمنين، الشعراء ببابك، وسهامهم مسمومة، وأقوالهم نافذة، قال: ويحك يا عون، مالي وللشعراء؟ قال: أعز الله أمير المؤمنين، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدح فأعطى، ولك في ذلك أسوة، فقال عمر: من بالباب منهم؟ قال: عمر بن أبي ربيعة، والفرزدق، والأخطل، والأحوص وجميل وجرير، فقال عمر: إن كان ولابد فجرير، أما إنه القائل:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا
وقت الزيارة فارجعي بسلام
فأذن لجرير فدخل وهو يقول:
إِنَّ الَّذي بَعَثَ النَبِيَّ مُحَمَّداً
جَعَلَ الخِلافَةَ في الإِمامِ العادِلِ
وسع الخلائق عدله ووفاؤه
حتى ارعوى وأقام ميل المائل
إني لأرجو منك خيراً عاجلاً
والنفس مولعة بحب العاجل
فقال له عمر: يا جرير، ويحك اتق الله ولا تقل إلا حقاً، فأنشأ يقول:
أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت
أم قد كفاني بما بلّغت من خبري
كمْ بالْيَمـَامَةِ من شَعْثَاءَ أَرْمَلَةٍ
ومِن يَتِيمٍ ضَعِيفِ الصَّوتِ والنظر
ممنْ يَعُـدّكَ تَكـفِي فَقْدَ وَالِدِهِ
كَالْفَرْخِ في العُشِّ لم يَنهض ولم يَطِر
يَدْعُوكَ دَعْوَةَ مَلْهُـوفٍ كَأَنَّ به
خَبْلاً مِن الجنِّ أوْ مَسّاً مِـن البَشَر
خَليـــفةَ اللهِ مَاذا تَأمُرُونَ لنا
لَسْــنَا إليْكمْ ولا في دَار مْنْتَظَر              
مازلْتُ بَعـدَكَ في هَمٍّ يُؤرّقُني
قَدْ طَال في الحيِّ إصْعَادِي ومُنحدرِي   
لا يَنفعُ الـحاضرُ المجهودُ بادِينَا
ولا يَعودُ لَنَا بــادٍ عَلى حَضَرِ                   
إنّا لَنَرْجُو إذا ما الغيثُ أخلفَنَا
من الخليـفةِ ما نَرجُو مِن الْمَطَرِ              
إن الخلافةَ إذْ كَانَـتْ لَهُ قدراً
كما أَتَى ربَّهُ مُوسـى على قَدَرِ               
هَذِي الأرامل قد قضيّتَ حَاجتَها
فمن لِحَاجَةِ هَذَا الأرْمَلِ الذّكرِ؟          
الخير مادمت حيا لا يفارقنا
بوركت يا عمر الخيرات يا عمر
فقال عمر: ويحك يا جرير، ما أرى لك فيما ها هنا حقاً، قال:
بلى يا أمير المؤمنين، أنا ابن سبيل ومنقطع بي، فأعطاه عمر من صلب ماله أربعمائة درهم، وذكر في رواية أخرى أنه قال له: ويحك يا جرير، لقد ولينا هذا الأمر وما نملك إلا ثلاثمائة درهم، فمائة أخذها عبدالله، ومائة أخذتها أم عبدالله، يا غلام أعطه المائة الباقية، فأخذها جرير، وقال: والله هي أحب مال كسبته، ثم خرج فقال له الشعراء: ما وراءك؟ قال: ما يسوءكم!! خرجت من عند رجل يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، وإني عنه لراض، ثم أنشأ يقول:
رأيت رقى الشيطان لا تستفره
وقد كان شيطاني من الجن راقياً
وقد سأل عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير ما كان جدك جرير فاعلاً حيث يقول:
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم
يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
فقال عمارة: كان يقلع عينيه ولا يرى من طعن أحبابه
قال أبوالفرج ابن الجوزي: كان وفاة جرير في سنة إحدى عشرة ومائة، وفيها مات الفرزدق، توفي جرير في اليمامة وقد تجاوز الثمانين عاماً.
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، في أمان الله.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث