جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 01 مايو 2018

لهفي على الأمر الذي كانت عواقبه ندامة

عندما نقول -لهفي- فالمعنى الحسرة والغيظ والحزن، فعندما يتلهف المرء على خطئه إنما يقر بسوء تدبيره فيندم على ما فرط، والندامة أيضاً الأسى والحزن والتأسف، لذلك قال هذا الشاعر:
لهفي على الأمر الذي
كانت عواقبه ندامة
من هنا أقول: على الإنسان أن يفكر ويحسن التدبير قبل أن يقدم على أمر مهم، وأن يستخير الله تعالى، حتى لا يقع بما وقع به هذا الشاعر من ندم، فمن هو هذا الشاعر؟ وما قصة بيته هذا؟ أما الشاعر فهو: يزيد بن مفرغ الحميري، من فحول شعراء العصر الأموي الأول، وهو صاحب البيت الشهير:
العبد يقرع بالعصا
والحر تكفيه الملامة
ذكر صاحب وفيات الأعيان أنه: أبو عثمان، يزيد بن زياد بن ربيعة بن مفرغ، وذكر أن روايته هذه أخذها من كتاب جمهرة النسب لابن الكلبي، ومن ولده السيد الحميري الشاعر المشهور وهو: إسماعيل بن محمد بكار بن يزيد بن زياد، يذكر ان سيدنا الحسين بن علي قد تمثل بأبيات يزيد هذا وهو متوجه إلى العراق وهي قوله:
لا ذعرت السوام في فلق الصبح مغيرا
ولا دُعيت يزيداً
يوم أعطى مخافة الموت ضيما
والمنايا يرصدنني أن أحيدا
ومن محاسن شعر يزيد قوله في جملة قصيدة يمدح بها مروان بن الحكم وكان قد أحسن إليه:
وأقمتم سوق الثناء ولم تكن
سوق الثناء تقام في الأسواق
فكأنما جعل الإله إليكم
قبض النفوس وقسمة الأرزاق
أما قصة بيته فروي أن سعيداً بن عثمان بن عفان ولي خراسان فعرض على يزيد أن يصحبه، فأبى واختار أن يصحب عباد بن زياد بن أبيه فلم يكن عند حسن ظن زياد، فذمه وهجاه وكان عباد كبير اللحية فقال فيه:
ألا ليت اللحى كانت حشيشا
فنعلفها خيول المسلمينا
فبلغ عباد قول يزيد، وذكر له أنه يسبه وينال من عرضه، فأحضره وأمر بحبسه ثم باع كل ما يملكه حتى سلاحه وفرسه وخادمه وجاريته، فندم يزيد على تركه صحبة سعيد بن عثمان وقال:
أصرمت حبلك من إمامه
من بعد أيام برامه
فالريح تبكي شجوها
والبرق يضحك في الغمامه
لهفي على الأمر الذي
كانت عواقبه ندامه
تركي سعيدا ذا الندى
والبيت ترفعه الدعامة
ليثا إذا شهد الوغى
ترك الهوى ومضى أمامه
فتحت سمرقند له
وبنى بعرصتها خيامه
وتبعت عبد بني علاج
تلك أشراط القيامه
جاءت به حبشية
سكاء تحسبها نعامه
من نسوة سود الوجوده
ترى عليهن الندامه
فالهول يركبه الفتى
حذر المخازي والمآمه
والعبد يقرع بالعصا
والحر تكفيه الملامه
ثم لج في هجاء بني زياد حتى سارت أشعاره بين الناس، فكتب عبيد الله بن زياد إلى الخليفة يزيد بن معاوية يستأذنه في عقابه فأذن له أن يعاقبه دون اتلافه فقبض عبيد الله على يزيد بن مفرغ وعاقبه عقاباً شديداً حتى كاد يموت تحت العذاب ثم زجه بالسجن، فلما طال سجنه بعث رسولا إلى أبناء عمومته في الشام، فوقف الرسول على درج جامع دمشق وقال أبيات منها:
أكفف دعي زياد عن أكارمنا
ماذا تريد بذي الأحقاد والأحن
الحميري صريع وسط مزبلة
هذا لعمرك غبن ليس كالغبن
فحميت اليمانية وغضبوا وطلبوا من يزيد بن معاوية أن يأمر عبيد الله بن زياد باطلاق سراحه فأمر بذلك فأطلقه، ولما قتل عبيد الله بن زياد بعد ذلك قال يزيد بن مفرغ:
إن المنايا إذا ما زرن طاغية
هتكن أستار حجاب وأبواب
أقول بعدا وسحقا بعد مصرعه
لابن الخبيثة وابن الكودن الكابي
لا أنت زوحمت عن ملك فتنمعه
ولا متت إلى قوم بأسباب
لا من نزار ولا من جذم ذي يمن
جلمودة ألقيت ما بين ألهاب
لا تقبل الأرض موتاهم إذا قتلوا
وكيف تقبل رجسا بين أثواب
وكان مقتل عبيد الله بن زياد سنة 67 هـ، قتله إبراهيم بن الأشتر في معركة الخازر، ومن قصائد يزيد الرائعة قوله:
ألا طرقتنا آخر الليل زينب
عليك سلام هل لما فات مطلب
وقالت تجنبنا ولا تقربنّنا
وكيف وأنتم حاجتي أتجنب؟
يقولون: هل بعد الثلاثين ملعب؟
فقلت: وهل قبل الثلاثين ملعب؟
لقد جل قدر الشيب أن كان كلما
بدت شيبة يعرى من اللهو مركب
ولما باع عباد بن زياد غلامه «برد» وجاريته «الآراك» قال:
يا برد ما مسّنا دهر أضر بنا
من قبل هذا ولا بعنا له ولدا
أما الآراك فكانت من محارمنا
عيشا لذيذا وكانت جنة رغدا
لولا الدعي ولولا ما تعرض لي
من الحوادث ما فارقتها أبدا
توفي يزيد بن مفرغ سنة 69 هـ ولم يكن للمسلمين خليفة مجمع عليه هذا العام، بل كانوا فرقتين، الأولى يتزعمها عبدالملك بن مروان وعاصمته دمشق، والثانية يتزعمها عبدالله بن الزبير، وعاصمته مكة المكرمة، وكلاهما يدعى بأمير المؤمنين.
اكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، في أمان الله.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث