جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 30 أبريل 2018

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

الكريم اسم من أسماء الله الحسنى، ورد في القرآن الكريم ثلاث مرات، في الآية 40 من سورة النمل، والآية 6 من سورة الانفطار، والآية 116 من سورة المؤمنون، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «ان الله كريم يحب الكرم، ويحب معالي الأخلاق ويكره سفاسفها»، صحيح الجامع، والكريم اسم، جمعه كرام وكرماء، والكريم الكثير الخير الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه، أما اللئيم فهو اسم، جمعه: لئام، لؤماء،ألآم، واللآمة عموماً الشح ومهانة النفس ودناءة الآباء، واللؤم صفة منبوذة مذمومة لأن اللئيم لا يتردد في إيذاء غيره ولا عهد له، يقول السموأل بن عاديا:
اذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه
فكل رداء يرتديه جميل
وكانت العرب تقول: أمر الأشياء حاجة الكريم الى اللئيم، وغالباً ما يكون اللئيم نذلاً، يقول أبو شراعة القيسي:
ان الغنى عن لئام الناس مكرمة
وعن كرامهم أدنى الى الكرم
ويقول المؤمل بن أميل في اللئيم:
إذا نطق اللئيم فلا تجبه
فخير من إجابته السكوت
وأشهر بيت قيل في اللئيم قول المتنبي:
اذا أنت أكرمت الكريم ملكته..
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
وغير بعيد عنه قول أبو تمام:
اذا جاريت في خلق دنيئا
فأنت ومن تجاريه سواء
ومن صفات اللئيم نكران الجميل، وكان سفيان الثوري يقول:
وجدنا أصل كل عداوة
اصطناع المعروف الى اللئام
وقال معن بن أوس المزني وقد أحسن ما شاء:
اعلمه الرماية كل يوم
ولما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي
ولما قال قافية هجاني
ولنا في مجير أم عامر العبرة والعظة، روى الأصمعي ان قوما خرجوا للصيد فطردوا «ضبعاً» حتى لجأت الى خباء اعرابي، فقالوا له: أخرجها، فقال: ما كنت لأفعل وقد استجارت بي، واخترط سيفه، فتركوه وانصرفوا، فرأى الأعرابي أن الضبع هزيلة،فرحمها واحضر لها لقاحا، وجعل يسقيها حتى عاشت وانتعشت، ثم نام فوثبت عليه وبقرت بطنه، وهربت، ثم جاء ابن عم له يطلبه، فاذا بطنه مبقور وهو ميت، فتبعها حتى قتلها وقال:
ومن يصنع المعروف في غير أهله
يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر
أقام لها لما أناخت ببابه
لتسمن ألبان اللقاح الدرائر
فأسمنها حتى إذا تمكنت
فرته بأنياب لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء من
بدا يصنع المعروف مع غير شاكر
وقد سقت لكن هذا المثل لأن اللؤم والنذالة ونكران المعروف إخوة لأم وأب، وفي ذلك يقول الإمام علي بن أبي طالب:
تنزه عن مجالسة اللئام
وألمم بالكرام بني الكرام
ولاتك واثقاً بالدهر يوماً
فإن الدهر منحل النظام
وكان علي بن أبي طالب اذا رأى عبدالرحمن بن ملجم المرادي «لعنه الله تعالى» تمثل بقول عمرو بن معد يكرب الزبيدي:
أريد حياته ويريد قتلي
عذيرك من خليلك من مراد
وكان الإمام علي قد أحسن اليه فكان جزاء احسانه ان قتله صائماً في رمضان يوم الجمعة، وهذا بن ملجم ألآم وأخبث وأنذل رجل في التاريخ الاسلامي لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعلي: «من أشقى الأولين؟ قال: عاقر الناقة، قال: فمن أشقى الآخرين؟ قال: الله ورسوله أعلم!! قال: قاتلك» رواية الحافظ بن كثير في البداية والنهاية بسنده عن سماك عن جابر بن سمرة، وفي رواية اخرى عن الإمام أحمد بسنده، عن الضحاك بن مزاحم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا علي، تدري من شر الأولين؟ «وفي رواية وكيع عن الضحاك عن علي»: يا علي، تدري من أشقى الأولين؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال عاقرالناقة، تدري من أشقى الآخرين؟ قلت: الله ورسوله أعلم!! قال: قاتلك».
يقول شاعر الشعراء فريد زمانه أبو الطيب المتنبي:
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم
ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا
اذا أنت أكرمت اللئيم ملكته
وإن أنت أكرم اللئيم تمردا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلى
مضر، كوضع السيف في موضع الندى
اما الكريم فحدث عنه ولا حرج، ويكفيه فخراً ان هذه الصفة مشتقة من صفات الله تعالى، وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم يصبح العباد فيه، الا ملكان ينزلان، فيقول احدهما: اللهم اعط منفقاً خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً» متفق عليه، روى الهيثم بن عدي ان ثلاثة رجال تماروا فيما بينهم اي الناس اسخى، عبدالله بن جعفر بن أبي طالب او قيس بن سعد بن عبادة او عرابة الأوسي، فأشار عليهم رجل بأن يذهب كل واحد منهم الى واحد من هؤلاء الثلاثة، فذهب الأول الى عبدالله بن جعفر، فوجده قد وضع رجله في غرز راحلته، يريد ضيعة له، فقال له: يابن عم رسول الله، ابن سبيل منقطع بي، فأخرج رجله من الغرز وقال: خذ الناقة وما في الحقيبة، وخذ السيف فانه من سيوف علي بن ابي طالب، وأمض لشأنك، فجاء بالناقة واذا في الحقيبة مطارف خز وأربعة آلاف دينار، وذهب الرجل الثاني الى سعد بن عبادة في منزله، فوجده نائماً: فقالت له جارية سعد: ما حاجتك؟ قال: ابن سبيل، انقطع به، قالت: حاجتك أهون من ايقاظه!! هذا كيس فيه سبعمئة دينار ليس عندنا غيره،خذه واذهب الى معاطن ابل مولاي فخذ لك راحلة وما يصلحها، وعبدا وامض لشأنك، فلما استيقظ قيس اخبرته الجارية بما صنعت فاعتقها.
ومضى صاحب عرابة الأوسي له، فوافاه وهو يتوكأ على عبدين له وقد كف بصره ذاهباً الى المسجد، فقال له: يا عرابة ابن سبيل منقطع به! فخلى العبدين، ورفع يديه عنهما، وصفق بيديه وقال: أواه أواه، ما تركت الحقوق لعرابة مالاً، ولكن خذ العبدين، قال الرجل: ما كنت أقص جناحيك، فقال: إن لم تأخذهما فهما حران، وذهب يلتمس الحائط بيده، والآن أجيبوا أيها السادة أي الثلاثة أكرم ؟؟
اكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث