جريدة الشاهد اليومية

الأحد, 29 أبريل 2018

تعدو الذئابُ على من لا كلاب له وتتقي مربض المستنفر الحامي

لا يمكن لنا مقارنة الذئب بالكلب، لأن الفرق بينهما شاسع، فلم يكن الكلب في يوم من الأيام في مصاف الذئب، لأن الذئب يفوق الكلب بأمور كثيرة منها شدة الفتك والشراسة، ومنها الذكاء والمكر والدهاء، وغيرها والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن حين نتأمل هذا البيت:
تعدو الذئابُ على من لا كلابَ له
وتتّقي مربض المستنفِرِ الحامي
هل الذئاب تخاف ان تهاجم مكانا به كلاب؟
الإجابة إن الذئاب لا تخاف من الكلاب على الإطلاق، وإنما هي ذكية تعلم أن الكلاب إذا رأتها ستنبح، وإذا نبحت الكلاب قام صاحب المكان وربما قتلها، إذاً هي لاتغير إلا على المكان الذي لاكلاب فيه، فالكلاب دائماً ما تكون مستنفرة على أهبة الاستعداد، لأنها أصلا للحراسة، من هنا يتضح لنا أن الذئاب تهاجم من لا ناصر له، ولا تدنو ممن هو متيقظ ذو صولة، ومن الأمثال كانوا يقولون «ذل من لا سيف له» وذل من لا ناصر له، هذا البيت منسوب للنابغة الذبياني زياد بن معاوية بن ضباب المتوفى 18 ق، هـ، إلا أني لم أجده في ديوانه، ولكن محمد أبي الفضل إبراهيم قال إن البيت نسب للنابغة في نسخة الشنقيطي المحفوظة بدار الكتب المصرية، ونسب الجاحظ هذا البيت لجرير بن عطية، كما نسبه أبو هلال العسكري في «جمهرة الأمثال» للزبرقان بن بدر، إلا أن ابن سلام الجمحي قال في «طبقات فحول الشعراء» إن من رواه للنابغة يقول:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له
وتتقي مربض المستنفر الحامي
ومن رواه للزبرقان بن بدر يقول:
إن الذئاب ترى من لا كلاب له
وتحتمي مربض المستـثنفِر الحامي
وقد ذكرت لكم ذلك للأمانة التاريخية، وقد بنيت على هذا البيت المشهور الكثير من القصص.
روى صاحب «زهر الأكم في الامثال والحكم» قال: «بينما عمر بن أبي ربيعة المخزومي يطوف بالبيت إذ أبصر امرأة أعجبته، فاقترب منها وكلمها فنفرت منه وقالت: إليك عني، فإني ببيت الله، وموضع عظيم الحرمة، فألح عمر عليها وشغلها عن الطواف، فذهبت إلى أهلها وقالت لأخيها: إحضر معي حتى تريني المناسك! فجاء معها، فلما رآه عمر تباعد عنها، فتمثلت الفتاة بهذا البيت:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له
وتتقي صولة المستنفر الحامي
وروى صاحب «الأغاني»، رواية فيها بعض الاختلاف، فقال: «إن عمر بن ربيعة تعرض لامرأة أبو الأسود الدؤلي، وكانت على جانب كبير من الجمال، فبينما هي تطوف بالبيت إذ عرض لها عمر، فأتت زوجها أبا الأسود، فلما عادت المرأة إلى المسجد عاد عمر فكلمها، فأخبرت زوجها مرة ثانية، فأتاه أبو الأسود وهو جالس مع قومه، فقال له:
وإني ليُثنيني عن الجهل والخَنا
وعن شتم أقوام خلائقُ أربع ُ
حياءٌ وإسلام وتقوى وإنني
كريم، ومثلي قد يضرُّ وينفع
فشتّانَ ما بيني وبينك إنني
على كل حال أسـتقيم وتظلع
فقال له عمر: يا عمّ لا أعود لكلامها بعد هذا اليوم، ثم عاد فكلمها، فأتت أبا الأسود فأخبرته، فجاء إليه وقال:
أنت الفتى وابن الفتى وأخو الفتى
وسيدنا لولا خلائق أربع!
نُكول عن الجُلّى وقرب من الخَنا
وبخل عن الجدوى وأنك تُبَّع
«تبع، تعني كثير تتبع النساء» ثم خرجت المرأة إلى الطواف وخرج معها أبو الأسود مشتملاً على سيف، فلما رآه عمر أعرض عن المرأة فقال أبو الأسود:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له
وتتقي صولة المستنفر الحامي
أيها السادة إن كان بيت الشعر للنابغة فهو ضمن ثلاثة شعراء تقدموا على جميع شعراء الجاهلية، وهم امرؤ القيس وزهير بن أبي سلمى والنابغة هذا، وقد سمي النابغة لنبوغه في الشعر، وهناك من قال إن سبب ذلك نبوغه في الشعر وهو رجل، «ابن قتيبة» وكان قريبا من النعمان بن المنذر، وهو من الأشراف الذين غض الشعر منهم، أما معلقته فيقول فيها:
يا دارمية بالعلياء فالسند
أقوت وطال عليها سالف الأبد
وقفت فيها أصيلاً كي أسائلها
والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
ذكر أنه كانت تضرب له قبة من جلد أحمر بسوق عكاظ، فتقصده الشعراء فتعرض عليه قصائده لمكانته العظيمة، ويعجبني قوله بعد أن شاخ وهي أبيات حكمة:
المرء يأمل أن يعيش
وطول عيش قد يضره
تفنى بشاشته، ويبقى
بعد حلو العيش مره
وتخونه الأيام حتى
لا يرى شيئاً يسره
كم شامت بي إن
هلكت وقائل لله دره
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث