جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 24 أبريل 2018

ولا يقيم على ضيم يراد به إلا الأذلان عير الحي والوتد

الضيم أيها السادة معناه الظلم والقهر والإذلال، وهو اسم مفرد جمعه «ضيوم» والعربي الحر لا يقبل أن يضام أو تهان كرامته، لأنه مجبول على الإباء وعزة النفس، ولا يضام إلا الضعيف، يقول عنترة بن شداد العبسي:

لا تسقني ماء الحياة بذلة ... بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
وعندما ينزع المرء عن كتفه عباءة الأنفة والإباء انما ينزع كرامته، فيسام الخسف ويمرغ أنفه في التراب، فمن منا يقبل بذلك؟ يقول أبو الطيب المتنبي:
عش عزيزاً أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود
وفي ذلك قال المتلمس الضبعي:
إن الهوان حمار القوم يعرفه ... والحر ينكره والرسلة الأجد
كونوا كبكر كما قد كان أولكم ... ولا تكونوا كعبد القيس إذ قعدوا
يعطون ما سئلوا والخط منزلهم ... كما أكب على ذي بطنه الفهد
ولن يقيم على خسف يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فما يرثى له أحد
شبه المتلمس الذليل بحمار القوم والوتد الذي تشد به أطناب البيت، والحمار معروف بالذلة والهوان والجهل والبلادة، أما الوتد فيضرب ضرباً شديداً وهو مكانه، وعندما احيط بسيدنا الحسين بن علي رضي الله عنه وعن أبيه بكتائب أمثال الجبال يوم الطف، عرض عليه الاستسلام فرفض ذلك رفضاً قاطعاً وقال:
أذل الحياة وذل الممات ... وكلاً أراه طعماً وبيلا
فإن كان لابد من واحد ... فسيري إلى الموت سيراً جميلاً
ثم تقدم فقاتل حتى قتل رحمه الله ولعن قاتله، وعندما أحاط جيش الحجاج بن يوسف بعبدالله بن الزبير وقتل جل أصحابه ولم يبق معه إلا قلة قليلة وأيقن أنه هالك، عرض عليه الحجاج الأمان فرفض وقاتل قتالاً شديداً وقتل وهو يتمثل بقول الحصين بن حمام المري:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما
أما صاحب البيت عنوان الموضوع فهو الشاعر الجاهلي جرير بن عبدالمسيح، وقيل: جرير بن عبدالعزى الشهير بلقبه المتلمس، من بني ضبيعة إحدى قبائل ربيعة، لقب بالمتلمس لقوله:
فهذا أوان العرض جن ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس
وهو يعني بجن ذبابه، كثر ونشط، والعرض واد من أودية اليمامة، وجن ذبابه أي عاش بالخصب فيه، أما الزنابير فهي ذباب الروض، وكذلك الأزرق المتلمس نوع آخر من الذباب، والمتلمس هذا خال طرفة بن العبد الوائلي، قال صاحب الأغاني: هو جرير بن عبدالمسيح بن عبدالله بن دوفن بن حرب بن وهب الضبيعي، وذكر أن ضبيعات العرب ثلاث كلها من ربيعة، عاش المتلمس عند أخواله بني يشكر، ومكث فيهم حتى كادوا يغلبون على نسبه لطول مكثه عندهم، والمتلمس من شعراء الجاهلية المفلقين، جعله ابن سلام في الطبقة السابعة، وعندما يقال شاعر مفلق فالمعنى شاعر مبدع، روى يعقوب بن السكيت أن المتلمس وابن اخته زارا الملك عمرو بن هند، فهجا المتلمس الملك هجاء مقذعاً، ثم هجاه طرفة بعدة قصائد وعلم بذلك فأضمر لهما الشر ولم يبده لهما، ثم كتب لهما كتابا إلى واليه على البحرين وهجر «الإحساء» الحارث العبدي وقال لهما: انطلقا فاقبضا جوائزكما، فلما هبطا النجف قال المتلمس لابن أخته طرفة: إنك غلام حديث السن، والملك من عرفت حقده وغدره، وكلانا قد هجاه، ولست آمنا ان يكون قد أمر بشر، فهلم فلننظر في كتبنا هذه، فإن كان قد أمر لنا بخير مضينا فيه، وإن تكن الأخرى لم نهلك أنفسنا، فأبى طرفة ان يفك خاتم الملك، فعدل المتلمس إلى غلام من غلمان الحيرة «عبادي» فأعطاه الصحيفة، ولما قرأها الغلام قال: ثكلت المتلمس أمه، فعرف أنه أمر بقتله، فانتزع الصحيفة من الغلام وأخبر طرفة، فأبى أن يعود، فألقى المتلمس الصحيفة في نهر الحيرة ثم هرب إلى الشام وقال:
وألقيتها بالثني من جنب كافر ... كذلك اقنو كل قط مضلل
رضيت لها بالماء لما رأيتها ... يجول بها التيار في كل جدول
وكافر في البيت الأول ذكر أبو عمرو أنه نهر بالحيرة، وأقنو أحقط، والقط: الصحيفة، وذكر أن المتلمس قال لطرفة: إن الذي في صحيفتك مثل الذي في صحيفتي، فقال طرفة: إن كان اجترأ عليك فلم يكن ليتجرئ علي، فضرب العرب مثلاً بصحيفة المتلمس وقال أيضاً:
إن العراق وأهله كانوا الهوى ... فإذا نأني ودهم فليبعد
فلتتركنهم بليل ناقتي ... تدع السماك وتهتدي بالفرقد
تعدو إذا وقع الممر بدفها ... عدو النحوص تخاف ضيق المرصد
ثم قتل طرفة بن العبد ونجا المتلمس، قال ابن السكيت في كتاب الأمثال:
زعموا أن المتلمس صاحب الصحيفة كان أشعر أهل زمانه، وقال الأصمعي:
المتلمس من الفحول، ومن أبياته السائرة:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما
وما كنت إلا مثل قاطع كفه ... يكف له أخرى فأصبح اجذما
يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليها تقدما
وكذلك قوله وهو من جيد الشعر:
وأعلم علم حق غير ظن ... لتقوى الله من خير العتاد
وحفظ المال خير من فناه ... وضرب في البلاد بغير زاد
وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
والحديث عن المتلمس طويل وقد أحببت أن أذكر لكم شيئا عن الملك عمرو بن هند، وهو عمرو بن المنذر بن امرئ القيس بن النعمان اللخمي، نسب إلى أمه هند بنت آكل المرار الكندي، ويقال له: المحرق الثاني، وهو قاتل طرفة بن العبد، عرف بشدة البأس وكثرة الفتك، هابته العرب هيبة شديدة ، وأذعنت بالطاعة له، حكم قرابة خمسة عشر عاماً، وقتله عمرو بن كلثوم قبل الهجرة بنحو  45 سنة تقريباً، سبقة ملك الحيرة أبوه المنذر بن امرئ القيس، وخلفه اخوه قابوس بن المنذر.
أكتفي بهذا القدر
دمتم سالمين، في أمان الله.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

اترك التعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.