جريدة الشاهد اليومية

الأحد, 11 مارس 2018

أزمة «ثقافة»

تعاني الثقافة العربية من إشكالية مهمة حول مفهوم «التسامح» بسبب الكم الهائل من التأثيرات السياسية والدينية والاجتماعية التي شكلت طبيعة الثقافة العربية على مر التاريخ، ودور هذه التأثيرات في عدم تأصيل مفهوم «التسامح» في حياة الناس والمجتمعات العربية في العقود الاخيرة. بل يمكن القول اننا أمام مفهوم «التسامح» لم يكن له تأثير فعلي في حياة الناس الفعلية. فالرأي، وكما يقول العرب، دائماً لأهل «الغلبة» الذين يحددون طبيعة المشهد اليومي لحياة الناس الذين اجبروا، ومنذ نعومة اظافرهم، على الخضوع والالتزام لقرارات ونزعات واهواء «اصحاب الغلبة» دون نقاش أو تردد. ودائما ما يكون العنف اللفظي والمادي، والعزل الاجتماعي، هو الاسلوب المستخدم لردع أي محاولة تريد تجاوز رأي أو قيم أو معتقدات «المسيطرين» على المجتمع. وقد يكون أهل الغلبة في المجتمع من طائفة أو أسرة أو قبيلة، أو «جماعة مصلحة» «كالعسكر أو التجار أو غيرهم»، قائمة على تحالفات محددة، هدفها قدر المستطاع السيطرة لتحقيق مصالحها العامة والتي تفوق في ماهيتها مصلحة البلاد والعباد. وبالتالي، وكما يحدثنا التاريخ العربي، دائما ما يكون التحول من سلطة الى أخرى وفق احداث في معظمها ذات طابع دموي وتدميري. ورغم بعض التغيرات الجذرية للسلطة العربية في ربوع عالمنا العربي، إلا أنه لم توجد سلطة واحدة ومؤثرة «خاصة في مصر والعراق وسوريا»، تبنت مشاريع ثقافية تنموية قادرة على تأصيل مفاهيم التسامح والحرية والديمقراطية واحترام الآخر في ذهنية ونفسية الإنسان العربي. بل انها مثل سابقاتها، ساهمت في تعظيم نزعات العنف والدكتاتورية والكراهية وعدم التسامح، وخلقت اجيالا تتلبس في نزعاتها بيت الشعر الذي قال به أبو فراس الحمداني: «نحن قوم لا توسط بيننا... لنا الصدر دون العالمين أو القبر». ومن الواضح أن «الحاكم العربي»، وعلى مر العصور، كان ذكياً في توظيف التاريخ والتراث والدين والعادات والأعراف لتعزيز قدرته على السيطرة والتحكم في المجتمع، اذ تم تحويله الى «رمز مقدس»، طاعته ضرورية والخروج عنه ضرر للأمة. هذه «الصورة المقدسة» تم زرعها في المناهج الدراسية وعلى المنابر وفي المناسبات الوطنية وفي الإعلام من خلال «خليط» نخبوي من المثقفين ورجال الدين والإعلاميين والساسة، ساهموا جميعها في الاستمرار بانتاج اجيال لا يزال لديها قصور في مفاهيم: التداول السلمي للسلطة، احترام الآخر، قبول التنوع الديني والاثني، الديمقراطية، الحرية، احترام حقوق المرأة والطفل وغيرها.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث