جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 08 مارس 2018

قليل من أحمد الربعي

في الخامس من شهر مارس عام 2008 أصابنا خبر وفاة الدكتور احمد الربعي بالألم الموجع جدا.  لقد تفجرت في دواخلنا كل أنواع الحزن الذي اصاب الجميع صغارا وكبارا، واتشحت جميع قلوب أهل الكويت بالسواد.. لأن الفقيد الربعي كان ايقونة فكر ورؤية لا مثيل لها في تاريخ الحياة السياسية والاجتماعية الكويتية.  أتذكر جيدا في ذلك اليوم، والأيام التي تلته، انني حاولت جاهدا أن اتخلص من «ألم» فقدان أخي وصديقي واستاذي أبا قتيبة، تلك الشخصية التي اثرت في طريقة تفكيري وجعلتني أرى الاشياء بطريقة أخرى، بعيدا عن ضغوطات العمل السياسي والاداري المتردي الذي اصاب البلد في الثلاثين سنة الاخيرة آنذاك.  لقد حاولت أن اتجاوز ذلك الالم من خلال ستة مقالات متتابعة كتبتها عن الراحل أحمد الربعي، واعتقدت أنها كفيلة بنزع حالة الحزن ولكنني كنت مخطئا جدا جدا.
لقد مرت عشرة أعوام على رحيل الفقيد د. الربعي، ومازلت أعيش حالة من «الفقد».. فقدان المفكر الصديق الطيب الانسان، الذي كان حالة استثنائية في تاريخ الكويت السياسي المعاصر. لقد رحل د.الربعي ومازلنا نتذكر كل مقولاته، ومازلنا نستعرض فيديوهاته الخاصة في هذه المقابلة أو تلك أو تحت قبة البرلمان.  لقد ذهب جسد أحمد الربعي.. ولكن فكره مازال يشع في حياتنا اليومية وكأنه عائش بيننا. ما زال الجميع يسمع صوت أبا قتيبة وهو يصدح قائلا: «المهم ألا يتسلل اليأس إلى قلوبنا وأن نرفع اشرعة التفاؤل».. وهو تفاؤل جميل لأن الكويت كانت في نظر أحمد الربعي «جميلة» دوما.. فلم لا نتفاءل؟ لقد كان أبو قتيبة صاحب استفزاز ايجابي لأن حب الكويت عنده حالة ايجابية غير قابلة للنقاش! أو   ليس هو من قال: «من يبيع ضميره باع وطنه، والانسان يستطيع أن يعيش بصمامات يركبها الاطباء في قلبه، ويمكن أن يعيش بنصف رئة، لكنه لا يستطيع أن يعيش بنصف ضمير».
كما أنه كان رحمه الله يثير فينا حالة من التحدي مع الافكار غير المنطقية، أو الافكار التي تحاول أن تقيدنا وتحرمنا من التقدم: «الأمم تدرس تاريخها بعين فاحصة ناقدة بهدف أن تتعلم أجمل ما فيه، وتحاول تجنب تكرار اخطاء الماضي، ونحن أمة لا يتجرأ احياؤها على نقد امواتهم». ولعل العبارة التي لا تزال تصدح في سمعي قوله: «ليس هناك وقت جميل ووقت قبيح، الوقت قمة الحياد ولا دخل له بكل ذلك، فنحن نملؤه احداثا سعيدة فيصبح سعيدا.. أو نملؤه بأحداث قبيحة فيصبح قبيحا». وذات مرة صرخ بالجموع المحتشدة قائلا: «الاوطان لا تبنى بالخطب الحماسية بل بالخطط الخمسية، ولا تبنى بالبحث عن متآمرين خارج الحدود بل بالنظر في مرآة ذواتنا والاعتراف بأننا مخطئون».
هذا قليل من أحمد الربعي، الذي غادرنا ولا يزال تسكن افكاره واراؤه في اذهان الناس.  ولكن قليله كان كثيراً جداً جداً.  وهو ما يجعلنا -في خضم عالم سياسة اليوم- نفقده جدا جدا.  لقد عاش احمد الربعي رمزا.. وتوفي منذ عشر سنوات وهو لا يزال ايقونة للفكر الوطني الحر غير الملوث.  عشر سنوات مرت على رحيله وما زال هو الغائب الحاضر في كل تفاصيله، رحل وهو مبتسم رغم سطوة المرض وآلامه.. لأنه كان يعلم جيدا أنه ترك أرثا لا يمكن أن يزول. عندما سألوه في آخر أيامه عن وضعه الصحي.. قال: لقد عشت حياة جميلة ولا اخشى الموت!  ارقد يا أحمد في سلام، فأنت كنت معنا ولا تزال.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث