جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 08 فبراير 2018

شقة ستانلي وأبو ربيع والبحر «2-2»

شيطان الكتابة يزورني، يتلبس يدي، يحرضني، يمنيني، تتحرك الأنامل مع وجود كوب ساخن بالقرب مني، هذه المرة شاي بالحليب الساخن بطعم الزنجبيل للتغلب على لسعات برد الشتاء الكويتي المتأخر، ومع اول شرفة من ذلك الشراب الساخن المحلي تتدافع الذكريات في رأسي فيظهر تأثيرها على كتاباتي، لا ادري ما السبب، كلما اشتد برد الشتاء اتذكر اسكندرية وتلك السنوات الخمس من عمري هناك، ربما لأن برد اسكندرية وتلك «النوة» المحملة بالزمهرير تركت عندي عقدة لا تنحل، او عشقا أبديا لا يروم.
من اين أبدأ، غادرت شقة كيلوباترا بعد ان ازدحمت بالقادمين الجدد من جميع أنحاء الجمهورية المصرية، يضاف اليها بعض اصدقائنا من السعودية طبعا ولا ننسى «الربع» من الكويت، وتحولت الشقة هناك الى ما يصبح حلبة مصارعة أو ميدان حرب بسبب الفوضى هناك، ديوانية كويتية شبابية، رفاق الدرب لم يكونوا من النوع الذي يعتمد عليهم بالتنظيف صراحة، بقايا المأكولات في كل مكان، الأواني المتسخة تغزو الصالة بعد ان غادرت جميعها ادراج المطبخ  أعقاب السجاير ملأت المكان عن بكرة ابيه وصار الوضع، على قولة اخواننا المصريين، كأننا في «غرزة»، حينها قررت ان لا أمل من تنظيف كل ذلك والأفضل الابتعاد قليلا حتى نتفرغ للدراسة بشكل جيد.
حينها ظهرت شقة ستانلي على مستوى الأحداث بالصدفة، صديق والدي المصري أرشدني اليها، ستانلي منطقة بعيدة عن مقر الجامعة في الشاطبي وبالتأكيد ابعد من كيلوباترا ايضا، ستانلي تقريبا في أواخر خط الترام من الناحية الشرقية لإسكندرية، اقل من ساعة الى الشاطبي بالترام الأزرق، وطبعا هي على خط الترام، يسمونها احيانا بوكلة او بوكلي وايضاً ستانلي البحر وهناك يكون كوبري ستانلي الشهير وايضاً بعد الفلل القديمة والأثرية من ايام الباشوات التي بدأت تشعر بالغربة مع إحاطتها بهذه العمارات الشاهقة  إحاطة السوار بالمعصم فأضاعت هيبة المكان واضاعت القيمة التاريخية له مع الأسف.
ستانلي، او بوكلة، منطقة كبيرة نسبيا، المسافة من محطة الترام الى الكورنيش عند الكوبري تقريبا نصف ساعة مشي في الحواري والأزقة القديمة، وللأمانة أقول: نظراً لطبيعة المنطقة فهذه الحواري الضيقة وان كانت محاطة بالمباني التاريخية والاشجار العتيقة الا انها تعتبر مكاناً غير آمن خصوصا ليلا، لكن لندع السلبيات ولنركز على جماليات الصورة، صورة البحر وأمواجه وهي تضرب اطناب كوبري ستانلي وتتطاير شذرات عطر البحر المتوسط الفواحة على مرتادي الشاطئ هناك، انوار الكوبري التي صممت على شكل فوانيس قديمة اضافت لمسة تاريخية على المكان خصوصا ليلا، تلك التحفة التي بناها عبدالسلام المحجوب، الذي يسمونه الإسكندرانية بالمحبوب، أقول هذه التحفة صارت من معالم اسكندرية، landmark للمدينة كما يقول أهل الهندسة والتصميم، كان ولا زال الى الآن يضفي على وجه اسكندرية البهية لمسة سحر هاروت، اعتقد والله اعلم ان المهندس الذي هندس هذا الجسر كان في أفضل حالاته يومها، على روقان كما يقولون.
كل هذا في ناحية وابو ربيع في ناحية اخرى، لعلكم تتساءلون من ابو ربيع هذا الذي ذاع صيته بين عموم الإسكندرانية كافة؟ سؤال مستحق، ببساطة ابو ربيع هذا مطعم، ولكنه ليس ككل مطعم، هو كما يقولون مطعم الشعب وللشعب، مطعم الفئة الكادحة والسواد الأعظم من الناس وطبعا للمغتربين امثالي، ابو ربيع كان في البداية مجرد مطعم صغير يقدم الفول والطعمية، تدرج بالأمر حتى صار يقدم جميع أصناف السفرة المصرية وخصوصاً الأكل الاسكندراني، دجاج مشوي كباب طواجن وسندويتشات وخلافه، مايميز ابو ربيع عن غيره هو احتفاظه بالنكهة الممتازة والكفاءة بالطبخ مع الاعتداء بأسعار معقولة نسبيا حتى صار مقصد عموم الشعب بالإفطار والغداء والعشاء، واللهم زِد وبارك .

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث