جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 25 يناير 2018

الفرات... ذلك النهر الخجول

كنت كلما ضاقت بي الدنيا - وما أكثر ما يحدث ذلك - أهرع الى الفرات، ذلك النهر الذي أكرمه الله تعالى بأن يكون من أنهار الجنة، فأجلس صامتاً في حضرته، أتامله وهو يتابع مسيره بوقار وسكينة، واتفكر في مزايا هذا المخلوق الجميل.
يقطع يومياً آلاف الأميال، يعبر مدناً واريافاً وصحارى شاسعة، ويجتاز مئات الآلاف من البشر، ويسمع ملايين الحكايات والأقاويل والشائعات والنمائم، لكنه لم ينقل يوماً نميمة، ولم يروج لشائعة، ولم يحدث أحداً بما قاله عنه الآخرون.
يرى عشرات الآلاف من النساء والصبايا الجميلات، لكنه لم «يرفع عينه» يوماً الى امرأة ولم يسترق النظر - طوال حياته - الى مستحمة.
تعبره مئات المراكب محملة بالمؤن والبضائع والأموال والذهب، ولم يمد يده يوماً ليأخذ شيئاً، ولم تسول له نفسه مرة أن يعتدي على ممتلكات الآخرين.
يمر بجوار آلاف القصور والمباني المترفة، والبساتين الغنّاء والحدائق الساحرة، فلم يشعر - لحظة - بالحسد ولم تتسلل الغيرة الى قلبه النبيل.
نرمي فيه القمامة، فلا يحقد علينا، بل يقابل الاساءة بالإحسان، وأي إحسان أروع من تطهيره لنا لنتشرف بالوقوف بين يدي رب العالمين.
صيغت فيه مئات قصائد المديح فلم يغتر وقيلت فيه مطولات من الثناء فما زاده ذلك إلا تواضعاً وخجلاً وشفافية.
وها أنذا بعيد عن نهرنا الذي أمضيت طفولتي في رحابه، وتفتحت زهور شبابي على ضفتيه، ولقد فاض بي الوجد.. فكتبت إليه:
انت حيٌّ وكلنا أموات
فاكتب اليوم نعينا يا فرات
يا سليل النقاء والعشق هلا
غسلتنا دموعك الطاهرات
نحن خناك يا فرات فعذرا
ما تراها تقوله الخائنات
لا تلفتْ فما وراءك إلا
إمّعاتٌ وسذّجُ ودعاة

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث