جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 15 يناير 2018

الانفتاح بين الانفلات والانغلاق

مع الانفتاح المعلوماتي والاحتكاك بالثقافات الأخرى عبر السفر والاحتكاك البشري والتلاقي الثقافي والاعلام المفتوح وسرعة المعلومات والسوشيال ميديا وابوابها المفتوحة للجميع أصبح وجودنا الانساني وقيمنا وثوابتنا  في مهب الريح. إما الاندماج مع الآخر والانسلاخ من الهوية في كثير من القيم والسلوكيات مما اقر وقائع جديدة في جوهرها، والانفلات من القيم والثوابت  وبالتالي الاضمحلال في ثقافات واخلاقيات لاتمت لا لمجتمعاتنا ولا عاداتنا ولا تقاليدنا وموروثاتنا التي ورثناها من أجدادنا.
هل مطلوب منا الانسلاخ من هويتنا للانخراط في التطور الحضاري والعالمي ولو كان ذلك على حساب ضياع الكثير من الأسس والثوابت التي قامت عليها مجتمعاتنا؟!
الانفتاح على الشعوب الأخرى هدفه الاستفادة منها  إيجابا والتغير للأفضل مع المحافظة على القيم والأخلاق التي نتميز بها، والحرص على أن تكون علاقتنا مع الآخر علاقة تبادلية مبنية على الأخذ والعطاء،لا يعني الأخذ منهم فقط ، وإنما يجب أن نعطي ونظهر شخصيتنا حيث إن لدينا قيماً ومبادئ سامية لا توجد في حضارات أخرى، مع أهمية إظهار الانضباط الأخلاقي والسلوك، لأن ذلك أهم سمات الانفتاح، ولابد أن نتعلم من الشعوب احترامهم للإنسان واحترام الوقت والرقابة الذاتية في العمل.
ساهم الاحتكاك والانفتاح على الآخر في ترسيخ القيم الإنسانية كالتعايش والتسامح وقبول الآخر والوعي بحقوق الإنسان إلا أن سلوكيات البعض شوهت هذا المفهوم وحلت كلمة «الانفلات» محل كلمة «الانفتاح» واقع فرضته الثورة والحضارة الرقمية التي انصهرنا داخلها لاشعوريا فأصبحت هي «السيد» ونحن التابع «العبد» مع الاسف!!
نحن أبناء حضارة أضاءت للعالم سنوات بانفتاحها واستيعابها الثقافات الأخرى فأسهمت في البناء الثقافي للأمم والثقافات الأخرى وتسهم في تقدمها، فكانت هي «القائد» و«السيد» ولم تكن يوما «عبدا»  فأفادت واستفادت كانت معول بناء، قام عليها العالم الآخر، عجبا أن يشعر الآخرون بالأمتنان لهذه الحضارة، إلا أن البعض اليوم يعتبرها لا تتماشى مع التطور الحضاري والعالمي بكل ما فيها من ثوابت وقيم وحجر عثرة أمام تطورهم وانفتاحهم وحان الوقت للتخلي عنها  وهدمها بآلية لا تتماشى مع الحياة الحديثة العصرية!!
ما نعيشه اليوم من غياب المثقفين والمفكرين والاعلاميين والتربويين الواعين عن الساحة انتج فراغاً وغياب التواصل بينهم والاجيال الجديدة ولغة حوار مشتركة، ما أفقدنا التوازن الذي تحتاجه مجتمعاتنا لتجنب الانزلاق من جهة وتمكين الفرد من التكيف المناسب مع التطور والتغير الذي يهب على العالم، والتعامل بوعي وفهم لحركة التغيير والتثقيف المتبادل. لكن مع افتقاد القدرة على التفكير المتوازن وعدم وجود منابع ثقافية وفكرية واعلامية وتربوية تزودهم بالأفكار السليمة أدى إلى فراغ كبير وضياع وفوضى شكلت انفتاحاً منفلتاً وانزلاقياً وانغلاقاً متشدداً عنيفاً وغياب الوسطية في كل شيء.
البعد الثقافي لهذا الانفتاح من أخطر أبعاده تلاشي القيم والثقافات الاصيلة لمجتمعاتنا وإحلال القيم الثقافية للبلاد الأكثر تقدما محلها الأمر الذي قد ينعكس سلبا على الهوية الثقافية، ففقدت فيه مجتمعاتنا ثوابتها وأصالتها، ومع التشدد والانغلاق نتخلف عن التطور العالمي السريع والاتصال الإنساني الضروري لجوهر الإنسان.
ويقع شباب مجتمعاتنا أمام تحديات المحافظة على هويتنا الثقافية وتحديد أين يقف فيها الثابت عن المتحول؟!
كل ما نحتاجه اليوم للتطور مع الحفاظ على هويتنا وموروثاتنا وقيمنا الاصيلة ليس فقط بنقدنا للحداثة بمنظور واقع مجتمعنا، وإنما يكون أيضا وأساسا بنقد ما قبل الحداثة التي نريد الوصول بمجتمعنا إليها وكل قيمه نسميها أصيلة فيه وتحدد هويتنا، وفهم ما هي قيمنا الأصيلة الموجودة في مجتمعنا؟ ذلك لأن بداية التفكير في نقد أو قبول أو عدم قبول قيم الحداثة لا يكون في الأصل إلا بعد فهم ذواتنا من الداخل ومعرفة قيمنا وماذا نريد منها ومن خلالها وهل نستطيع بها تحقيق ما نطمح إليه، أي نقد ما نسميه قيما أصيلة ونرفض منها ما لا يقبله العقل البشري الطامح للتطور وفق منظومة قيم ديننا الإسلامي.
• عز الكلام
الحضارة والتطور ليسا أدوات نستعملها ونستهلكها وانما هما سلوكيات وأخلاق سامية نوظفها.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث