جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 21 نوفمبر 2017

العيش في زمن كان

تعيش اغلب الشعوب في الشرق الأوسط في نطاق تراث صنع مجداً وتاريخاً دون اشتراكهم به ومعايشتهم معه، يعيشون جنة تاريخ ترتبط بحاضرهم ونار حياة متصلة بتراث يتحلى بأمجاد فتحوا بلاداً وأسسوا حضارة وبقيت أسماؤهم خالدة تتغنى الشعوب بلحن عنترياتهم وتطرب راقصة على سيمفونية تخرج من أوتار مضت عليها قرون مغناطيسية تسحب العقل لتجعل «فعل كان» حاضراً وخالداً في حياة إنسان يتباهى بشخصية صنعت لتاريخها مجداً تطلبت ظروفها آنئذ فعلها. تعرض ماضياً قدم حضارة بُني فيها عمران وتخرّج في جامعتها طبيب وعالم اجتماع وفلكي وكتّاب وجيش يحافظ على دولته ودوّن تاريخها في كتبٍ بماء ذهب، تراث صُنع بيد غيرها وأصبح اليوم خائر القوى لوضعه في طيات الكتب.
لِم عاشت الشعوب متحلية بماضيها وأصرت على أن تقدم استقالتها من العمل في الحياة الحديثة؟ أليس اول عالم اجتماع ظهر على أرضها؟ ألم تخرّج في جامعتها طبيباً وفلكياً وكتاباً؟ لم غاصت في التراث وتركت الحاضر؟ فاكتفت بالدعاء على الكفار واستعملت إبداعهم، كالطائرات والسيارات والأسلحة الفتاكة التي تقاتل بعضها بعضا بها.
عندما تغيب الرؤية عند الحاكم تتألف تشكيلة خارجة من رحم عصابة تهم «بالغنيمة» أي ما تكسبه هي، المصلحة الشخصية دون المصلحة الجماعية، تحف الحاكم يُستجدى منها الرأي، وبما أن الرأي يذعن لمصلحة التشكيلة لا الشعب، تخضع الحكومة التي يجب أن تُولد من صلب الشعب ايضا لها، حيث إن لم تخضع تُقص وإن لم تفعل تُمح، فتنقطع همزة الوصل بين الشعب والحكومة وتغيب المؤسسات الثقافية التي ترعى توعية الشعب ويحل مكانها الخواء الاجتماعي، فيصبح فارغاً من كل جديد ومتصلاً بكل قديم، وإذا كانت المؤسسات موجودة فتكون خاضعة للتشكيلة التي تخيم عليها ويكون دورها ليس ثقافياً مستقلاً وإنما سياسي يظهر بابتسامته ويبطن في داخله ما يوافق مصلحته واتجاهاته، ولذلك خدمة الشعب تكون أشبه بالصورية شعارات رنانة فقط تحرك الأحاسيس وتجمد المشاريع.
إذن احياء الماضي يبزغ فجره في دول تحكمها جوقة من أناس ترعى مصالحها الشخصية لا يهمها الشعب، ومن الطبيعي أن تهتن سماء البلد في هذه الظروف العمل الذاتي المكبل والأسير في غياهب سجون الماضي الخارج من عقل محصور في جغرافيا معينة، تكون نظرته ضيقة لا تصدق إلا ما تراه عينه وما يقصه عليه الأسلاف، فيقتفي أقحوان أرضهم ويحاول أن يزرع فيها ليأكل من ثمارها ليشبع ذهنه مما سمعه ثم يكتفي بسنة الأولين وتتكون ثقافته المضاهية لثقافتهم كالدين والزي والسلوك والأخلاق وبالتالي يرفض كل ما يأتي من الفكر الإصلاحي ويتهمه بالغربنة والمعارض لثقافة الماضي التي قدم الإبداع في قاموسه استقالته للعيش في زمن كان.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث