جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 02 نوفمبر 2017

إعادة تشكيل الفرد

في جميع المجتمعات الانسانية، سواء في الشرق أو الغرب، دائما ما يكون هدف السلطة السياسية يتمحور حول تشكيل الفرد بما يتماشى وأهداف وغايات وسياسات ورغبات هذه السلطة.  ويبدو أن هذا الامر لا يعتبر امرا طارئا في تاريخ البشرية، وإنما هو نزعة يعود تاريخها لآلاف السنين، ومن الممكن ملاحظة ذلك في إلياذة هوميروس الاغريقية والتي هي في الاساس تأصيل وتأسيس للطبيعة الاجتماعية والسياسية والاخلاقية للفرد ذاته في المجتمع الاغريقي!  وشخصيا، أرى أن هذا الامر هو المهمة الاساسية لأي سلطة سياسية، ولكن بالمعنى الايجابي لعملية «تشكيل الوعي» وليس بالمعنى السلبي لها.  فنحن لسنا بالطبع مع السلطة السياسية التي تستهدف في سياساتها خلق «الانسان الهش»، والضعيف، والساذج! كما كان يفعل مثلا نظام «ستالين» في الاتحاد السوفيتي السابق.  فالانسان الروسي في تلك الحقبة تم تهيئته نفسيا واجتماعيا على الاعتراف بارتكاب أي جريمة تدعيها السلطة عليه لأنه لا خيار له سوى التعذيب حتى الموت!! وبالتالي يرى العديد من الباحثين النفسيين في روسيا الحالية أن «تشكيل الوعي» في حقبة ستالين ساهم في خلق الفرد «الهش» الذي يخشى من كل شيء في حياته اليومية.
طبعا هذا النوع من انواع «تشكيل الوعي»، والتي اعتبرناها امرا سلبيا، هو النوع المرفوض لأنه لا يصنع الانسان الجيد والقادر على المساهمة في صناعة تطور مجتمعه. أما النوع الايجابي من «تشكيل الوعي» فله امثلة كثيرة حدثت على مر تاريخ الانسانية في السابق والحاضر.  فالاسلام عندما برز ارتكز في عمليات التنشئة الاجتماعية على مفاهيم هامة جدا تمثلت في «العدالة» و»«المساواة» و«العلم» و«احترام الاخر» وغيرها، وما كانت «قيم» الطاعة إلا لله سبحانه وتعالي.  هذه المفاهيم والقيم هي التي اوصلت الاسلام إلى مشارق الارض ومغاربها، ومع تراجع هذه المفاهيم والقيم، واستبدالها بمفاهيم التوحش وقيم المادة والتي تختفي بها الرحمة والانسانية، سرعان ما تحولنا إلى مجتمعات متخلفة متصارعة لا فائدة منها على خريطة الارض!!
إن علينا في الكويت أن ننتبه إلى اهمية «تشكيل الفرد» الآن وقبل أن يفوتنا قطار هذه الفرصة الهامة، فالانسان الكويتي المعاصر تم تشكيله وللاسف وفق مفاهيم وقيم ليس بمقدورها أبدا خلق الانسان المفكر والمبدع والمنتج!! إن ثقافة النفط خلقت الانسان الممتلئ بـ «الربادة»، والذي استقرت حياته على «طلب» ما يحتاجه من «ماما حكومة»، وبالتالي دائما ما نجده يعارض ويوالي «ماما حكومة» حسب ما تقدمه له أو ما تحرمه من قائمة المتطلبات التي يقدمها بين الفينة والاخرى.  هذا النوع من الانسان لن يستطيع الصمود في عالم الغد، والذي لن يكون للنفط فيه دور مؤثر، وبالتالي فإن إعادة صناعة «تشكيل الفرد» الكويتي لتعد امرا هاماً وضروروياً.  والذي يفكر في صعوبة هذا الامر نقول له انظر إلى تجارب اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وغيرها، والتي نجحت بتغيير واقعها السيئ إلى واقع يعد مضرب مثل على مستوى عالم اليوم!! وضعنا بالكويت افضل بمليون مرة من وضع اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا عندما بدأت كل واحدة منها في مشروعها البنيوي الحضاري والانساني، ولا اعتقد أن في الامر صعوبة مطلقا، ولن يرى صعوبة هذا الامر سوى المستفيدين من الواقع المعيش أو أولئك الذين لا يملكون القدرة الذهنية والعملية على منافسة الاخرين.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث