جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 19 أكتوير 2017

الانحراف الصحي

التقى لينين بمجموعة من الشعراء الشباب فسألهم: هل تقرأون للشاعر بوشكين؟ فردوا –وبطريقة تنم عن الغضب- إنه برجوازي ونحن لا نقرأ إلا لشاعر الثورة مايكوفسكي، فرد عليهم: أنا افضل بوشكين الشاعر على مايكوفسكي الشاعر. في هذا الصدد، يقول سعد رحيم في كتابه «المنطقة المحرمة»: هذا ما تفعله الدوغمائية بالحس الجمالي النقي! إن الاندفاع حول ومع المعتقد «فكرا، دينا، سياسة» وأدواته «المفكرين، الشعراء، رجال الدين، الساسة»، دائما ما يكون هدفا للمسيطرين سواء كانوا يمثلون سلطة سياسية أو جماعة حزبية أو فكرية أو فرقة طائفية أو قبلية، وبقصد السيطرة على «العامة» لإسقاطها في مستنقع «الدوغمائية».  والدوغمائية، لمن لا يعرفها، هي التعصب لفكرة معينة من قبل مجموعة دون قبول النقاش فيها أو الإتيان بأي دليل ينقضها لمناقشته، أو كما هي لدى الإغريق الجمود الفكري. باختصار، هي التشدد في الاعتقاد الديني أو المبدأ الأيديولوجي، أو موضوع غير مفتوح للنقاش أو للشك.
وأرى أن قراءة الآخر المختلف لنا – فكريا، دينيا، ثقافيا، سياسيا- هي نقطة مفصلية في تطوير افكارنا وتوجهاتنا.. وقد تخرجنا من وهم قداسة ما نحب ونفضل. بل قد تجعلنا نطور من افكارنا الذاتية أو الجماعية لما هو افضل واحسن.  بل إن الاختلاف الثقافي، وكما وسمه بعض الانثروبولوجيين، هو الذي ساهم –وبصورة سريعة- جدا في تطور حياة الانسان. يذهب جوردن تشايلد، مثلا، إلى أن التقاء بعض الاعراق الانسانية في فلسطين وسيناء للحصول على الغذاء الوفير من هجرة الحيوانات من افريقيا إلى اوروبا وآسيا  والعكس... قد ساهم في تحول الانسان من نمط استهلاك الغذاء الذي يوجد في البيئة إلى نمط انتاج الغذاء، وهو ما ساهم فيما بعد في استقرار تلك الجماعات في سنة 13000 قبل الميلاد، ومع الاستقرار نهضت الحضارة الانسانية بسرعة البرق.
كما لا ننكر ايضا أن انحراف الذهن عن الطرق المعتادة.. قد يفتح المجال لخلق آفاق جديدة غير مطروقة من ذي قبل. ونحن هنا نتحدث عن «الانحرافات الايجابية» التي يكون جل مقصدها البحث عن الافضل للمجتمع والانسان .. وليس ذلك الانحراف السلبي الذي دائما ما يكون مقصده البحث عن «الاثارة» وزعزعة استقرار المجتمع وخلق حالة من التراجع الفكري والاجتماعي والاقتصادي، وهكذا.  رغم أن بعض الانحرافات السلبية قد تنتج عنها فوائد جمة.
اقرأوا للغير، واطلعوا على ثقافات الغير، واستوعبوا قيم الغير، ثم اخرجوا منها بما هو لصالح الانسان والمجتمع.  أما إن استمررتم في دوامة الانعزال والانغلاق، وفي تصوير الآخر على انه خطر جم... فلا تغضبوا إن اصبحتم في ذيل قائمة الأمم.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث