جريدة الشاهد اليومية

الأحد, 27 أغسطس 2017

مرض الاستهلاك « 3 - 5 »

إن الثقافة الاستهلاكية تشن الآن هجوماً شرساً ضد كافة أشكال وأنماط الثقافات المحلية والقومية والإنسانية والكلاسيكية، وهي تدعو إلى إلغاء جميع التصنيفات الثقافية السابقة على اعتبار أنها ثقافات قديمة لمراحل تاريخية تجاوزها الزمن. وهذه الدعوة يؤكد عليها مؤيدو العولمة الثقافية.
غير أن المضمون الرئيسي للعولمة كما نعرفها اليوم يتمثل في أن المجتمعات البشرية التي كانت تعيش كل واحدة منها في تاريخيتها الخاصة، وحسب تراثها الخاص وحركة تطورها ونموها المستقل نسبياً، على الرغم من ارتباطها بالتاريخ العالمي، أصبحت تعيش في تاريخية واحدة وليس في تاريخ واحد. فهي تشارك في نمط إنتاج واحد يتحقق على مستوى الكرة الأرضية، وهي تتلقى التأثيرات المادية والمعنوية ذاتها، سواء على الصعيد الثقافي وما تبثه وسائل الإعلام الدولية، أو على صعيد الأزمات  الاقتصادية، أو على الصعيدين الاجتماعي والبيئي.   
وليس ثمة شك في أن التطورات والسياسات والاستراتيجيات الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية التي تحدث أو تُعتمد في المواقع المؤثرة من العالم وبخاصة في مراكز الرأسمالية الغربية والتي تنتج الثقافة والبضائع الاستهلاكية وتدفع بها إلى كل ما يمكن أن تصل إليه من أسواق في مختلف بقاع العالم، تهدف تلك السياسات إلى تدعيم النزعة الاستهلاكية العالمية والتي أصبحت تتحكم في تنميط الأذواق والرغبات الاستهلاكية.
ومن جانب آخر، تسود في ظل العولمة الجشعة أخلاقية السوق والقيم المادية على كل ما عداها من الشؤون الإنسانية في بلدان المركز كما في بلدان الهامش. ومن مظاهر ذلك أن التكنولوجيا الحديثة تخضع الإنسان لقوى السوق العمياء وتوظفه في خدمتها، وتتمركز الثروة في أيدي فئة قليلة، فتتعمق بالتالي الفجوات بين الأغنياء والفقراء ليس فقط بين الدول الغنية والدول الفقيرة، ولكن أيضاً داخل كل دولة. وتعاني البلدان الضعيفة بشكل خاص ومنها البلدان العربية، التهديد بطمس الخصوصيات الثقافية والهويات القومية، والتدهور في الأحوال البيئية، فضلاً عن تعميم ثقافة الاستهلاك. فثمة كتابات وتحليلات غربية كثيرة تتحدث عن أن قوى السوق تحل محل الحكومات فتتغير بالتالي موازين القوة فيما بينها لصالح السوق، وأن ثقافة العولمة تفرز من الجوانب المظلمة والبشعة  للرأسمالية.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث