جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 24 أغسطس 2017

مرض الاستهلاك «2 - 5»

من المؤكد أن موضوع الثقافة الاستهلاكية في مرحلتها الكونية غني جدا ً، ويكاد يؤثر في مختلف جوانب الحياة الثقافية والاجتماعية والإعلامية والفنية المعاصرة. ومع انهيار  ما يسمى بالمنظومة الاشتراكية وتعاظم نفوذ الولايات المتحدة الأميركية على الصعيد العالمي، فإن تعاظم نفوذ الثقافة الاستهلاكية وسيادتها على الثقافات الأخرى في العالم أصبح واضح المعالم ولا يحتاج إلى تقديم أدلة أو براهين.
ومن ثم تتعرض الثقافات المحلية والقومية لهجوم شرس بهدف إفراغها من مضمونها الإنساني، وتوجيهها نحو الثقافة الاستهلاكية العالمية لمرحلة ما بعد التحديث  كي تتحول إلى رافد تابع لها. كما أن ثمة تراجعاً واضحاً الآن للثقافات الاستهلاكية التي سيطرت على التاريخ الثقافي العالمي طوال مئات السنين، ويلاحظ اليوم أن الثقافة السائدة هي الثقافة التي تنتجها وتنشرها المؤسسات الثقافية الاحتكارية العملاقة.
وعلى صعيد آخر، فإن الثقافة الاستهلاكية قد سعت منذ أكثر من قرن ونصف وحتى الآن إلى تدمير الثقافات الوطنية والقومية وجعلها تابعة لها. وقد تم ذلك في إطار منظومة من أشكال التبعية الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية والثقافية التي عايشتها البلدان النامية منذ منتصف القرن العشرين وحتى الآن. وقد استطاعت تلك الثقافة تجاوز الحواجز اللغوية والقومية واستحوذت على اهتمام جماهير شعبية عالمية، وعملت على إغراق الأسواق المحلية والقومية والعالمية بالسلع الثقافية الاستهلاكية الملائمة والتي تجذب اهتمام الناس في جميع البلدان. لذلك شهدت البنى الاجتماعية والثقافية تغيرات واضحة على مستوى الإدراك والسلوك الفعلي، حيث تغيرت الاتجاهات واهتزت قناعات الناس بإمكانية الحفاظ على ثقافاتهم الوطنية والقومية في ظل نظام إعلامي وثقافي وإعلاني عالمي تمت صياغته بدقة عبر شركات إنتاج ثقافي ذات قدرات مالية وتقنية هائلة. لدرجة أنه أصبح من الصعوبة الآن التمييز بين خصوصية الأعمال الفنية المحلية وعالمية الثقافة الاستهلاكية الكونية. وتم توظيف الثقافات المحلية كسلع استهلاكية ترتدي طابع المهرجانات أو الكرنفالات أو الأغاني التراثية.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث