جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 12 يوليو 2017

العدل من القرآن الكريم

إن المتأمل المتفحص لآيات القرآن الكريم، دستور المسلمين، وأحد مصادر التشريع السماوي، يرى أن الله تعالى قد بين لنا جُلُّ المَبادئ والقواعد المُنَّظِمة لحياة المجتمع الآمن، ما يُبْرز لنا شمولية الإسلام وملاءمته لكل مجتمع وبيئة وزمان ومكان، واهتم بما يُسْهم في استقرار المجتمع المسلم ويعزز تماسكه وترابطه، وأول ذلك إرساء القِسط وتطبيق العدالة، لأن العدل مفتاح السّلم المجتمعي، فعندما يَسود السلم يَستقر المجتمع، وإثر استقراره يَسعى للتنمية، ويُفكر في التطور، وعقب ازدهاره تَعُم الرَّفاهية، ولكي يضمن القرآن الكريم للمجتمع المسلم ذلك فقد ذكر صوراً من العدل في آيات عديدة وفي سُور مُخْتلفة إلا أننا من خلال تتبعنا لها نراها تحثنا على ما يلي: 
1 - إقامة العدل والقسط بين الناس قولا وعملاً.
2 - أمر الله تعالى لنبيه والمؤمنين بالعدل، وجعله شرطاً من شروط الاستخلاف في الأرض.
3 - شُمولية الإِسْلام في جَعل العدل أساس الملك.
4 - مدْح الله وإشادَتِه بالمجتمع العادل.
5 - التركيز على قضايا رئيسية ومهمة تخص أمن المجتمع وسلامته.
يقول الله تعالى: «وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ» قال الإمام الطبري ج13، ص 172 في تفسيره لهذه الآية: « وفي الآية تقريظ من بارئ البشر لأمة من قوم موسى عليه السلام، وصفها ربنا عز وجل أنها تهتدي بالحق، أي تستقيم عليه وتعمل به، وتعدل بالحق، أي تطبقه في الأخذ والعطاء، والإنصاف من النفس، وعدم الجور على الغير. يدخل في الهداية بالحق دعوة الناس إلى التوحيد، وهو عدل بين الإشراك والتعطيل. ويقول ابن عاشور في التحرير والتنوير ج9، ص142: المقصود بالأمة هي : جماعة كثيرة متفقة في عمل يجمعها، وهذا يعني أن هدى الناس إلى الحق، أو إرشادهم إلى الاستقامة عليه، يتطلب وجود جماعة تعرف ما تدعو إليه معرفة علمية وعملية تامة، ومتفقة على مبادىء الدعوة وأركانها، ولديها الخبرة الملائمة للتعامل مع المخاطبين، وتَصَدُّر الجُهلاء في المَشْهد الدعوي، وتبنيهم خطاب التَّشَدُدِ وإِلْقَاء التُّهم على المُخَالِفينَ، وتَنْفِيرِ النَّاسِ مِن الإِسْلَامِ، وهذا يَسْتَدْعِي وُجودَ عَدَالَةٍ تُوَازنَ بَيْنَ الإِفْرَاطِ والْتَّفْرِيطِ وتَضَعُ الأُمورَ في مَوَاضِعِهَا، سواء كانت في الالتزام السلوكي، أو الدعوة القولية، أو القضاء، أوالتعامل مع الغير، أو غيرها وهذا ما اتُّصفت به تلك الأمة بحيث استحقت تزكية الله وثناءه عليها.
وهنا نُدرك من خِلال هذه الآية الكريمة أنَّ من بين الأمم في كل الأزمنة أمَّة تَقُومُ بِالْحَقِ والعدل قولاً وعملاً ويحضرني الآن قول الإمام ابن عاشور رحمه الله تعالى: «وبه يَعدلون»، أي أنهم يَحْكمون بالعدل على بصيرة وعلم، وليس بمجرد مصادفة الحق عن جهل، فإن القاضي الجاهل إذا قضى بغير علم كان أحد القاضيين اللذين في النار، ولو صادف الحق، لأنه بجهله قد استخف بحقوق الناس ولا تنفعه مصادفة الحق لأن تلك المصادفة لا عمل له فيها». ومن العلماء من حاول تحديد هذه الجماعة بعملها بالحق وقضائها بالعدل، دون إشارة إلى عصرها واسمها؛ لأن سبب استحقاقها بالتنويه هو إرساؤها قيم العدل والمساواة بين الجميع، وليس العكس، فبتحقيق العدل تطيب الحياة، ويعيش المجتمع بأمن واستقرار وسلام.
يقول أبو الفتح البستي:
عليك بالعدلِ إن وُلِّيت مملكة
واحذرْ مِن الجوْرِ فيها غايةَ الحذرِ
فالملك يبقَى على عدلِ الكفورِ
ولا يبقَى مع الجوْرِ في بدْوٍ ولا حَضَرِ
إن ما تحياه أمتنا وتُعاني منه الكثير من شعوبنا المكلوبة المغلوبة على أمرها، والتي تتطلع للإنصاف والتعافي، وتبحث بكل السَُبل والوسائل عن الفرج لكرباتها وأزماتها المتكررة والمتفاقمة، لهو أمر يجعلنا نعيد أحداثاً وذكريات لم نتخيل يوماً أنها السبب الرئيسي فيما نحن عليه الآن، إنه وبلا أدنى شك غياب دور العدل في المجتمع، إننا إذا ندرس هذا الأمر فنقول كما قال غيرنا من الباحثين: «إذا كانت إقامة الحضارات تقتضي وجود عقيدة لأصحابها سواء كانت فاسدة أو صحيحة، بحيث تكون الحافز والمسطر لتوجه مجتمعها، فإن المجتمعات المشملة محظوظة بما أنعم الله عليها من عقيدة صحيحة تستند إلى نصوص محفوظة، غير أن هذه المجتمعات تشقى حين تبتعد عن مستلزمات عقيدتها، وتتنكر لمآثرها كإقامة العدل والإنصاف والتعايش السلمي، تنتج غير الإفلاس والتبعية والتشرذم، وهو ما يحدث الآن في العالم الإسلامي».
وحتى يمكننا الخروج من هذه الأزمات كلها، من عجز وفشل في الأخلاق وتآكل داخلي، فلابد من تطبيق العدالة في جميع مناحي الحياة، فهو وحده الذي يَكفل المجتمعات المسلمة المضطربة حالياً، والتي من بينها حال بعض بلداننا. وما نشاهده اليوم في واقعنا المرير يومياً يُحتم علينا أن نعيد لهم الأمن والأمان والاستقرار والتقدم والازدهار بالعدل.
وختاماً نقول: إنه وبقدر تطبيق العدل والعدالة في مجتمعاتنا يكون الاستقرار والرقي والتقدم، أما الاستمرار في المناشدات الجوفاء، والادعاء بأن هناك رغبة أكيدة في ممارستها دون اتخاذ الاجراءات اللازمة نحو الخطوات الجادة في ذلك فإنهم لن يصلوا إليه ما داموا لم ينظروا للواقع من حولهم. أما إن كانت هناك خطوات جادة وفاعلة نحو تحقيق الأماني كي يتحقق العدل فإننا نكاد نجزم أن الحق والعدالة ستحقق في مجتمعنا ما دام العدل في داخلنا قائم يقول القائل:
عن العدلِ لا تعدلْ وكنْ متيقِّظاً
وحكمُك بين النَّاس فليكُ بالقسطِ
وبالرِّفقِ عاملْهم وأحسنْ إليهم
ولا تبدلنَّ وجه الرِّضا منك بالسَّخط
وحَلِّ بدُرِّ الحقِّ جِيد نظامِهم
وراقبْ إله الخلق في الحلِّ والربط

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث