جريدة الشاهد اليومية

السبت, 01 يوليو 2017

رؤية بالمقلوب

رحم الله الدكتور احمد الربعي.سمَى زاويته اليومية الشهيرة في الوطن ثم في القبس «بالمقلوب».وعندما تولى وزارة التربية وصفها «الهرم المقلوب».لم اسأله عن خلفية التسمية،لكني اظن انه  استوحى الاولى من الاوضاع العامة،خصوصا العربية،المتسمة بالتخبط وانعدام الرؤية الواضحة.أمَا الثانية فمن قناعته بأن هيمنة احزاب متأسلمة،السلف والاخوان على الوزارة آنذاك،من اكبر المخاطر على الجيل الجديد وفي الحالتين،كاتبا ووزيرا،كان بعيد النظر.
تذكرت الربعي وأنا اتابع المشروع الذي يتبلور في ذهن الرئيس الاميركي دونالد ترامب للشرق الاوسط،وما يتسرب من ملامحه،ونوعية الحلول والتسويات التي يسعى اليها.فهو لا يرى هذه المنطقة مقلوبة  فقط،بل فاشلة وضعها جنوني مرعب.وان السياسات التي اعتمدها اسلافه في البيت الابيض فشلت لسبب بسيط هو كونها انطلقت من رؤية خاطئة حجر الزاوية فيها التوصل الى حلول ثنائية كما في اتفاق كامب ديفيد بين مصر واسرائيل،واتفاق وادي عربة بين الدولة العبرية والاردن،او اتفاق اوسلو بينها وبين الفلسطينيين،على امل التوصل الى اتفاق نهائي بينهما،وبعد اتمامه يُعزف اوتوماتيكيا لحن الغرام بين اسرائيل والعرب  بعد تحرير هؤلاء من عبء القضية الفلسطينية وما تفرضه من التزامات عليهم.
تلك الاتفاقات لم تسفر عن تسويات جدية او ذات قيمة.بل ساهمت في إدامة التوتر والعنف.لذا يعمل ترامب وادارته على مقاربة جديدة غير مسبوقة. اساسها فكرة تاجر مغامر يؤمن بضرورة لخبطة الحسابات وتجاوز الاساليب التقليدية. لان الوضع المجنون لا يمكن معالجته الا بطريقة جنونية.هذا يعني اجتراح حل مقلوب لازمة الشرق الاوسط.
الادارات الاميركية المتعاقبة فهمت الحروب والتوترات في الشرق الاوسط على انها نتيجة حتمية للنزاع العربي - الاسرائيلي وهي متفرعة عنه واحد تجلياته.وبالتالي فإن تسويته هي مفتاح هدوء المنطقة واستقرارها.لكن الادارة الجديدة  ترى ان مشاكل المنطقة اوسع من هذا الصراع واشمل،وان اطرافا كثيرة منخرطة في صراعات عديدة غيره لمصالح مختلفة وغايات متضاربة.
فالى الصراع العربي-الاسرائيلي،تطفو على السطح نزاعات كثيرة: العربي - الايراني،والعربي - التركي،والاسرائيلي -الايراني،والايراني - التركي، والاميركي - الروسي،والتوتر الديني بين المسلمين والمسيحيين،والطائفي السني - الشيعي المستعر ويزداد سخونة،واخيرا،وليس آخرا،الازمة المستجدة في الخليج.وهذه احدث الادلة بالنسبة لترامب وفريقه،على كم هو معقد الشرق الاوسط، ومن غير الممكن اختزال مشاكله بواحدة فقط اسرائيلية - فلسطينية!
بناء على هذه الرؤية،فإن اي اتفاق ثنائي في المنطقة سواء بين الفلسطينيين والاسرائيليين،او بين اي طرفين آخرين متصارعين سيكون غير ذي جدوى،ولن يؤدي الى حل نهائي دائم واستقرار.فحتى لو اتفق الفلسطينيون والاسرائيليون،او انتهت معركة العراق ضد داعش،او الحرب الاهلية في سوريا،او حرب اليمن،او سويت ازمة الدول الاربع مع قطر،فإن ازمة هذه المنطقة  لن تنتهي ولن تنعم بالهدوء  لان اللاعبين كثر والمصالح مختلفة ومتضاربة وستبقى معرضة لاشكال جديدة من الانفجارات والنزاعات!
ليس اكيدا ان ترامب يريد فعلا شرق اوسط هادئا،وإن كانت تعتريه رغبة متضخمة في تحقيق إنجاز مميز ويرى تمثاله محفورا في صخر جبل راشمور العالي مخلدا الى جانب الزعماء الاميركيين الاربعة الكبار. لكن بغض النظر عن نوايا ترامب تبقى رؤيته للشرق الوسط غير واقعية حولاء. ولدت وهما بحل مجنون  يحاول تسويقه وبيعه،للعرب طبعا. جوهره تحالفات ومحاور جديدة،عمودها الفقري صلح بين اسرائيل ومن تيسر من العرب،وتحديدا من دول الخليج،يتلو ذلك تسوية مع الفلسطينيين الذين سيضعون رأسهم على المخدة نفسها التي تجمع العرب والاسرائيليين!
هذا التصور  الذي يسميه ترامب الحل   الاقليمي اولا ويسبق  تسوية القضية الفلسطينية وهذه تأتي بعده ثانيا،يعتمد في تمريره وانجاحه على صهره جاريد كوشر اليهودي المتشدد ومستشاره المكلف بحل النزاع العربي  - الاسرائيلي، والشخص المقرب من رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو صديق والده منذ زمن بعيد.ثم على وزير خارجيته ريكس تيلرسون ذي العلاقة الطويلة مع دول الخليج كونه جاء الى منصبه من رئاسة شركة إكسون موبيل النفطية العملاقة.
تستفيد هذه الرؤية من النهجين الايراني والتركي تجاه قضايا المنطقة.اذ تقدم  طهران خدمات جليلة لهذا المشروع باصرارها على  الهيمنة على ما يمكن من الدول والقوى العربية .وهو ما تفعله انقرة ايضا وإن بسياسات اكثر نعومة ودهاء امبراطوريا. أما الدولة العبرية التي تراهن على المواجهة بين ايران والعرب ليتقربوا منها على قاعدة عدو عدوي التي يعشقونها، فترى في مشروع ترامب فرصتها الثمينة لإنهاء الصراع مع الفلسطينيين والعرب لصالحها. فهم وليست هي،من عليهم تقديم التنازلات.فلا دولتين احداهما فلسطينية مستقلة،ولا حقا في عودة اللاجئين او تعويضهم،ولا انسحابا من الاراضي المحتلة في سوريا ولبنان،والمكافأة الكبرى القدس عاصمة ابدية لاسرائيل.
هل اوضاع الشرق الاوسط هي  وحدها المقلوبة،ام ان مشروع ترامب  واقف  هو الآخر على رأسه وقدماه الى الاعلى فيرى الاشياء على غير حقيقتها فيحمل الى المنطقة المزيد من الفوضى والخراب؟!

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث