جريدة الشاهد اليومية

السبت, 03 يونيو 2017

رمضان وأحوال الصالحين

لقد منّ الله تعالى علينا بهذا الشهر الفضيل، وخصه بمزيد من العناية والرعاية والفضائل والنفحات الايمانية دون غيره من الشهور، ولهذا ذكره الله تعالى صراحة في كتابه العزيز سورة البقرة الآية 185: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ» ففي هذا الشهر الفضيل تنزل رحمات الله تعالى تترى على الجميع، فترى النُّفوس جميعها مقبلة على طاعة ربها سبحانه وتعالى، مدبرة عن معصيته، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «اذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين» فهذا شرف عظيم وفرصة كبيرة لمن وفقه الله تعالى وفتح على قلبه للاقبال على طاعة مولاه سبحانه، والادبارعن كل ما يُغضبه سُبحانه وتَعالى ويكفينا أن لله تعالى في هذا الشهر الكريم عتقاء من النار.
حال الصالحين في رمضان:
يعد الصوم بمثابة حصن منيع من الوقوع في المنكرات، فهو خير داعم لمحاربة الهوى وقمع الشهوات وتزكية النفس، والزامها بالوقوف عند حدود ربنا سبحانه، يبتعد بذلك عن الريب والشك والسب واللغو واطلاق العنان للسان كي يخوض في أعراض الناس، أو يسعى بينهم بالغيبة والنميمة وكأن رمضان ما جاء إلا لذلك عن كثير من البشر إلا من رحم الله تعالى.
ان المتأمل في سير الصالحين وكيفية إدارة يومهم في رمضان سيرى أنهم كان لهم باع وكأن الصوم في حقيقته عندهم هو بالفعل حرمان لكن من المعاصي فاشكر ربك الباقي الحنان المنان.
لقد سعى الصالحون لفعل الخيرات واغتنام أيام الخير جميعها لفعل الطاعات والاكثار من العبادات التي تُقرِّب العبد من ربه سبحانه وتعالى كاقامة الصلاة وايتاء الزكاة على وجهها الصحيح، وبذل الصدقات، وليس هذا فحسب؟ انهم يحرصون أيضاً على البُعد عن اقتراف الآثام والفواحش، فاذا نسوا أو غلبت الواحد منهم نفسُه على فعل معصية ذكر الله تعالى مسرعًا فأناب اليه واستغفر وتاب مما أصاب، وذلك لأن الصوم غرس فيه خشية الله تعالى ومراقبته، قال تعالى في سورة الأعراف آية رقم «201»: «اِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا اِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَاِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ» وهنا نَجِدُ أن الصائمين يتحفظون مما يعكر صفو مزاجهم واستمتاعهم بالصيام وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يَدَعَ قوْل الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» فكأن الصوم بالنسبة لهؤلاء تهذيب لا تعذيب.
الصوم ايماناً واحتساباً:
من ينظر للصالحين في دنياناً يدرك تماماً أن الصوم ضبط وتعظيم لشعائر الله تعالى، وليس مسايرة وتقليد للآباء والأجداد، كصوم من يصوم متوجعًا متحسرًا، ويقتل أوقاته بالنوم والبطالة، فمثل هذه الفئة يورطون أنفسهم ويهلكونها معنوياً، ويتمنى أن لو انتهى الشهر سريعاًَ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
يقول الله تعالى في كتابه متحدثاً عن آيات الصيام في سورة البقرة الآية 183: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» فهم يعلمون يقيناً أن الغاية العظمى من الصوم هي التقوى بجميع معانيها، فهي غاية تتطلع اليها أرواح الصالحين وأفئدتهم، فيندفعون لتحقيقها بقوة وثبات ويقين بأن ما عند الله تعالى خير وأبقى.
ان الصوم أكبر حافز لتحصيل هذه الغاية – التقوى -، وخير أداة من أدواتها وأحسن طريق موصل اليها، ومن ثم يرفعها سباق القرآن الكريم في ختام الآية أمام أعينهم وقلوبهم هدفاً وضاء يسعون اليه عن طريق الصيام، فيكسبهم التوبة والأوبة عما اقترفوه من آثام وذنوب، ويعطيهم الجد والنشاط في القيام بوظائفهم تجاه دينهم ودنياهم وأخراهم فالصيام جنّة أي سِتر ووقاية يَقي صَاحِبَه المعاصي وجميع المزالق التي يتردى فيها، والصيام جنة ما لم يخرقها بشيء من أعمال الاثم وسوء النية أو سوء الاستقبال له وعدم الانشراح به، أو يخرقها بسوء الفهم وعدم المراقبة لله تعالى.
فاذا انتهى المؤمنون من صيام شهرهم فانهم يشكرون الله تعالى على اتمام نعمته عليهم فيكبرون الله تعالى ليلة عيد الفطر، ويُخرجون صدقة الفِطر صَاعًا من تمر أو زبيب أو شعير أو طعام، كما ورد عن سيد الأنام عليه الصلاة والسلام من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ويعلمون أنها طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين ليغنوهم عن السؤال في هذا اليوم، كما أمر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.
ومما أعجبني حين طالعت مؤخراً كتاب احياء علوم الدّين للغزاليّ يقول: قال الحسن البصري رحمه الله: «ان الله تبارك وتعالى جعل رمضان مضمارًا لخلقه، يستبقون فيه بطاعته الى مرضاته، فسبق أقوامٌ ففازوا، وتخلّف آخرون فخابوا.
ويعلق أحد العارفين بالله على ذلك قائلاً: فالعجب من الضاحك اللاعب في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المُبطلون. أما والله لو كُشف الغطاءُ؛ لشُغِل محسنٌ باحسانه، ومسيءٌ باساءته؛ عن ترجيل شعرٍ، وتجديد ثوب». وفقنا الله واياكم لطاعته واغتنام أيامه المباركة.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث