جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 30 مايو 2017

لا تناطح من يشتري الحبر بالبراميل!

في اللبنانية الدارجة عبارة «جسم لبّيس» للإعجاب بأناقة رجل أو امرأة، تليق بهما الثياب. لكن في زمن إنحطاط العرب السياسي والثقافي، أصبحت تُستخدم أكثر للتحقير. فيوصف بها الكذاب والبهلوان والانتهازي في كل ميدان، خصوصاً السياسي أو الخصم الذي يفعل أي شيء متحللاً من أي مبدأ، ومحللاً استخدام أي وسيلة، فيصح عليه أي وصف شنيع وجارح!
لا أعرف إذا كانت العبارة وصلت الرئيس الاميركي دونالد ترامب من مستشاره اللبناني، أو لانه يشارك اللبنانيين في هوسهم التجاري. فهو يعتمد طريقة «الجسم اللبّيس» في حربه الشرسة ضد وسائل الاعلام. صنفها عدوه الأول، ووصفها بأنها غير شريفة، تُزيف وتُزور. يسعر عداوته لها أكثر، كلما اشتد  مأزقه الداخلي، وفاقمت سياسته وسلوكه الفوضى والقلق مع حلفائه في الخارج. فهو، رغم جولته الخارجية الأولى في الشرق الاوسط وأوروبا التي انتهت للتو، لم يحقق  سوى إنجاز كبير  واحد، الاتفاقات الاقتصادية والعسكرية مع المملكة السعودية. لكن هذه ايضا  اساء إليها عند عودته الى واشنطن  حين روج لنتائج الزيارة  بأسلوب سوقي مبتذل مسيء حتى للسعودية التي كانت كريمة بسخاء معه. كتب عبر التويتر مخاطباً الاميركيين انه عاد لهم من الرياض بمليارات الدولارات ملايين فرص العمل. ولم يتباهَ بأي انجاز عاد به من اسرائيل والاراضي الفلسطينية، او من الناتو واوروبا. فيما المستشارة الالمانية انجيلا ميركل كشفت فشله هناك وصبت ماء بارداً عليه، بل وكسرت العصا معه حين صنفته «شريكا غير موثوق به ولا يعتمد عليه». لدى ترامب دافع لمعاداة الاعلام الذي لم يعتبره لحظة كفوءاً لقيادة الولايات المتحدة ومعالجة مشاكلها الكثيرة, وإبداع حلول للأزمات العالمية التي لاتحصى. لا شك انه  استفاد من إخفاقات الميديا خلال الرئاسيات الاميركية في حربه ضدها عندما نشرت اخبارا وتوقعات واحصاءات غير صحيحة استهدفته.
هذا النهج يتمدد في اكثر من بلد في العالم. لكن ليس مفهوماً أبداً ان تعمد بعض المؤسسات الرسمية الوطنية هنا في الكويت الى نقل الاسلوب الترامبي الى البلاد، والتعامل  به مع الميديا المحلية كما فعلت مؤخرا الهيئة العامة للاستثمار!
الهيئة بالنسبة للاعلام المحلي كانت دائما وتبقى، مؤسسة وطنية رائدة ومهمة لكنها ليست مصانة عن المتابعة والنقد. انتقدها نائب رئيس مجلس الامة عيسى الكندري لانها خسرت 6 مليارات دولار نتيجة التفرد بالقرار فيها، فنقلت «الشاهد» وصحف زميلة التصريح لأهميته فالخسارة ضخمة جدا، دون اي تعليق او تدخل منها. قامت قائمة الهيئة، إنما ليس في اتجاه مصدر التصريح  وصاحبه، وهو شخصية عامة معروفة بل تقصدت الهجوم على ناقله، اي وسائل الاعلام واغفلت كليا قائله! صبت الهيئةجام غضبها واعلنت حربها على «بعض الصحف ووسائل التواصل الاخرى» التي نشرت حسب الرد «معلومات غير صحيحة بتاتا»، واتهمتها بـ«عدم المهنية او الحرفية»!
واضح اي جسم هنا هو اللبيّس. ليس الاعلام حكماً، فهو لم يكن كافراً، بل قام بواجبه وأدى عمله بحرفية ومهنية دون ان يكون همه ان يعجب او لا يعجب،  ما تجاهلته الهيئة او لم تدركه اساسا، لذا اختارت الاسلوب العدائي وغير الموفق في الرد.
وسائل الاعلام تتعرض لضغوط, لكن الحرّة منها، الملتزمة بمصداقيتها ومهنيتها لا ترضخ. ورغم تعدد تلك الوسائل وتنوعها، ما زالت القاعدة التي صاغها السيناتور الاميركي تشارلز برونسون قديماً صالحة اليوم: «العاقل لا يناطح من يشتري الحبر براميل»، ونضيف من يملك الهواء والفضاء!

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث