جريدة الشاهد اليومية

السبت, 20 مايو 2017

لا تغنّي له فقط أصبحت ملكه!

أثار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ذكريات قديمة لديّ وهو يعُلّق على الضجة حول أن الرئيس الأميركي سرّب له الأسبوع الماضي معلومات استخباراتية «سرية للغاية»، ما أدّى إلى  كشف عميل إسرائيلي ينشط في صفوف تنظيم داعش الإرهابي، ما يسرّع، حسب مراقبين، في وضع إجراءات عزل دونالد ترامب موضع البحث الجدي.
في السنة الثانية من دراستي الجامعية زاملت في كلية الصحافة شاباً روسياً، كنا في أوقات الفراغ نجتمع في بار قريب من الكلية نتحدث عن كل شيء. مرة سألته زميلة عن حرية الصحافة في الاتحاد السوفييتي فاختار نكتة معبرة جواباً، قال: توجد عندنا صحيفتان إحداهما للحزب الشيوعي البرافدا «الحقيقة» والثانية للحكومة ازفستيا «الأخبار». يضطر الناس لشرائهما معاً. إذ لا أخبار في البرافدا، ولا حقيقة في الازفستيا!
استعاد لافروف هذه النكتة القديمة للسخرية من الصحافة الأميركية التي تعتمد الاسلوب الذي كانت عليه الصحافة السوفييتية الموجهة والمملوكة للدولة. أي لا حقيقة ولا أخبار صادقة.
اليوم، في فوضى التهريج وانعدام الكفاءة اللذين تتخبط فيهما السياسة العالمية، ويتجسدان في  منطقتنا حروباً همجية ودماراً وشلالات دماء وتشرداً، فإن الاعلام ليس بمنأى عن هذه الفوضى ويتراجع دوره في التنوير والاصلاح والمساهمة في تصحيح انحراف التاريخ، بل  أصبح بعضه يساهم في صنع عناصر كثيرة من التهريج الغالي الثمن والترويج له. وبمواكبة تبدّل الإعلام ودوره، يتغير التعاطي معه وكذلك النكات المتداولة عنه. 
عن حرية الصحافة، يحكى أن سيدة حضرت إلى إدارة التحرير لتنشر  شكوى عن مظلمة تعرّضت لها في المؤسسة الحكومية التي تعمل فيها.
فشرح  المحرر المسؤول عن باب الشكاوى سياسة الجريدة لها: لحظة من فضلك. حرية الكلمة هي أنك تستطيعين أن تقولي ماذا تريدين، وأنا أكتب ما أعتبره مناسباً، ورئيس التحرير ينشر ما لا يضره أو يضر الصحيفة، والقارئ يقرأ ما يهمه.
أما النكتة المتداولة عن المصداقية في الإعلام فتقول إن سيدة عادت إلى غرفة السفرة بعدما أعدت الطعام ورتبته لتتناول الغداء مع زوجها، لكنها فوجئت عندما لم تجد شيئاً على الطاولة، فسألت مستغربة:
حبيبي، يبدو أنك جائع جداً، لقد أكلتَ البطةَ كلها. فرد حانقاً: لم آكل شيئاً. لم تكن هناك أي بطة مطلقاً حتى أراها أو آكلها.أنت أصلاً منذ تزوجنا لم تطبخي بطاً، لذا لم أعد أسمع عنه ولا أراه،  وحتى أني نسيت شكله.
عصّبت الزوجة: عزيزي لستَ مضطراً لأن تكذب. أنت لست في التلفزيون، وبرنامجك موعده غداً وليس اليوم!
أما عن عداء ساسة اليوم للإعلاميين، والذي تفجّر مجدداً في الصين الأسبوع الماضي في اللقاء بين الرئيس التشيكي ميلوش زيمان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين عندما قال الأول المعروف بخفّته وتفاهته: الإعلاميون كثيرون جداً هنا، علينا أن نصفيهم، فعلق الثاني مخففاً من جلافة زيمان وعبارته المثيرة للجدل والاستنكار فيما مئات الصحافيين يتعرضون للتصفية والسجن والملاحقة بما في ذلك في الصين نفسها: لا نصفّيهم، يكفي أن نقلل عددهم.
من هذه الواقعة، ولدت نكتة تقول إن ستة  رؤساء  يكرهون الإعلام لعبوا لعبة تركيب الكلمات «سكرابل» بحيث يقول كل منهم كلمة فتتكّون عبارة يفرضونها شعاراً عالمياً.
كانت كلماتهم: الصحافة،هي،اليوم، للشعوب، ألد، الأعداء.ترامب كان الأخير، وهو، فعلا، يعتبر الإعلام عدوه الأول، ويخوض ضد الصحافة حرباً شعواء، حتى إنه عرض شراء صحيفة نيويورك تايمز العريقة «لتنظيمها وتصحيح خط تحريرها أو إغلاقها بكرامة» حسب عرضه!  
ترامب، بفوزه بالرئاسة الأميركية، كما بسياسته ومواقفه خلال المئة يوم الأولى من حكمه، أكبر المساهمين في الفوضى العارمة التي يتخبط العالم فيها، كشف في لحظة غضب أحد أهم أسباب أزمة الإعلام والصحافة اليوم بما في ذلك صحافتنا وإعلامنا.
يريد أن يشتري النيويورك تايمز وما يمكن من وسائل إعلام .لديه السلطة، وهو ملياردير، ويسير على نهج  أصحاب المال والسلطة  في التهافت على شراء وسائل الإعلام. فيتمركز الثالوث غير المقدس، السلطة والمال ووسائل الإعلام!
إن تمركز الإعلام واحتكاره مع المال والسلطة خطر في  كل اتجاه. فمن يشتريه يريد أن يستفيد منه بتحديد مضمون المادة الاعلامية وتوجيهها. ويفرض عليه خدمة مصالحه ونفوذه المالي والسياسي، فيضيق هامش استقلال الإعلام وحريته، وتتراجع موضوعيته ومصداقيته.
وسائل الإعلام  لم تعد فقط تغنّي لمن تأكل خبزه، فالخباز نفسه قد اشتراها!

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث