الخميس, 18 مايو 2017

خطيب الأنبياء

لقد أرسل الله تعالى رسله مبشرين ومنذرين داعين إلى الحق والى طريق مستقيم والمتأمل في القصص القرآني الفريد يرى أن كل واحدة من قصص الأنبياء تُناقش مَنْهجاً وفِكراً من مناهج الانحراف والأفكار الشاذة وتتعرض بالتحليل والرد والتقويم لفلسفة من الفلسفات وتبحث قضية كبرى من قضايا الفكر الإنساني يقول القائل: ان قصص الأنبياء تشتمل على مناقشة لأصول المناهج الفكرية المنحرفة والمتكررة عبر التاريخ الإنساني بأكمله ولعل ما يلفت انتباهنا قصة نبي الله شعيب الملقب بخطيب الأنبياء وتلك الواقعية الدعوية التي تعامل بها شعيب عليه السلام مع قومه اننا حين ننظر في كتاب ربنا سبحانه نرى من الفوائد الخاصة والجمة درراً تخص المهتمين بمخاطبة الجمهور والدعوة إلى الله سبحانه فقديماً وقفت عندها طويلاً منذ أن كنت طالباً بالجامعة وجال بخاطري أن أقوم بإبراز أهم القضايا التي ناقشها خطيب الأنبياء شعيب عليه السلام كي نقِفَ على بعْضِ مكنُونات هذا القصَّص العظيم وأسراره من خلال آيات القرآن الكريم واذ بي أقف على المنهج الدعوي الذي لا مثيل له والذي تعامل به شعيب.

شعيب في القرآن الكريم
 ان الحديث عن سيدنا شعيب وردت قصته  في أربع سور من القرآن الكريم وهي: «سورة الأعراف من الآية 85: 93 وسورة هود من الآية 84: 95 وسورة الشعراء من الآية 186: 191 وسورة العنكبوت من الآية 36: 37» ويأتي اهتمام القرآن الكريم بهذه الحقبة من الزمن ليذكرنا بأن البشرية في تاريخها الطويل عرفت فكرة مشابهة لفكرة العلمانية التي يُدعى لها بين الحين والآخر ففكرة العلمانية وفصل الدين عن مجالات الحياة ليست حديثة أو وليدة عصور النهضة الأوروبية كما يدعي أصحابها بينما هي منهج فكري بشري قديم برز عند قوم شعيب كما حكى القرآن الكريم عن ذلك من سورة هود آية رقم 87: «قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ اِنَّكَ لَأَنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ». فهم يتعجبون من وجود علاقة بين الصلاة وبين ادارة الأموال وأوجهِ التعامل معها وتلكم بلية أخرى فوق الكفر وهي أنَّهم لا يَرون رابطاً بين التقوى والصلاة والصلاح وبين الشؤون المالية وكأنهم يقولون:
لا علاقة بين الدين والاقتصاد.
وخلال تدبرنا لقصة شُعيب رأينا أنه كان دائم النُّصح والتَّوجيه لهم بأن يقولوا الحق ويتبعوه في كل أمورهم كما أنه بيَّن لهم منهجه مصداقاً لقول الله تعالى من سورة هود آية رقم 88: «قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ اِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ اِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ اِنْ أُرِيدُ اِلَّا الْاِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي اِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَاِلَيْهِ أُنِيبُ» ففي الآية الكريمة توجِيهات تربويَّة وأُصُول دعويَّة تُشَكِّل زادًا قيِّمًا للداعية إلى الله لا يُمكن الاَّ أن تُعينه في مسيرته النبيلة المباركة.
وبهذا يتسع لنا مجال آخر في فهم أسباب اختيار الحق لقصص معينة من قصص الأنبياء حيث قال تعالى من سورة غافر آية رقم 78 : «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ» وكأن القصص المنتقاة التي أوردها القرآن تُناقش رؤوس القضايا الإنسانية والنظريات الفلسفية وفي قصص الأنبياء لابن كثير رضي الله عنه يقول: «ويترتب على هذا أن يُقبِلَ المُفَسِّر على قضية وقصة شعيب وأن يَجْمع كل مواضع ورودها في القرآن ثم يتأمل كيفية المعالجة الالهية لكثير من القضايا الحياتية المهمة.

شعيب واليقين في الدعوة
ان نبي الله شعيب كان من الدعاة المميزين ودليل ذلك أنه دائماً  كان يدعو قومه بأوضح العبارات وألطفها فيقول: اني على بينة من ربي وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه بل انني أول من يتركه عملاً بقوله تعالى من سورة البقرة آية رقم 44: «أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ» قال لقومه انني لا أدعوكم إلى الافساد في الأرض بل أريد الاصلاح بقدر طاقتي وجهدي وأدعو الله أن يوفقني في ذلك هذا ما قاله شعيب لقومه كما ورد في سورة هود آية رقم 88: «يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ اِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ اِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ اِنْ أُرِيدُ اِلاَّ الاِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي اِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَاِلَيْهِ أُنِيبُ» فتأكيد نبي الله  شعيب لقومه من خلال قول الله عز وجل: «أَرَأَيْتُمْ اِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي» وذلك ليُدلل لهم أنه على هدى الله له وعلى طريقه المستقيم ويقينه المستمد من رب العزة سبحانه وهذا من الأساسيات التي لا ينبغي أن يتنازل عنها أيُّ صاحب دعوة اذ كيف يدعو لأمر هو نفسه غير عامل به في قرارة نفسه ولا مدافع عنه ولا متشبث به فنبي الله شعيب كان على فقه من أمر دعوته ولم لا؟ وهو المُلَّقَبُ بخطيب الأنبياء والمؤيد من الله بالحجج النيرات وأوضح الدلالات وذلك لأسلوبه العذب الفريد وحكاية القرآن الكريم عنه وهو يربِّي الدعاة والمصلحين في كلِّ زمان ومكان والناظر في آيات القرآن الكريم وهذه القصة تحديداً يتنبه لقول الله تعالى: «اِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي» وفيها لفت الانتباه لتحريك الأحاسيس والمشاعر لتعترف وتُقر بالعجز البشري تجاه صنعة الله سبحانه وألفاظه الواضحة البينة.
انَّ تحريك المشاعر والأحاسيس تُقّوِّي حَرارَة الخِطاب الدَّعوي وصدق قائله ومن ثمَّ كان لزاماً على الدعاة أن يتزودوا لدعوتهم ويُحسنوا تبليغها ويتقوا ربهم ويجتهدوا في بث العلم والدعوة إلى الله تعالى بأسلوب عذب تقبله النفوس البشرية.