جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 11 مايو 2017

رحلتي بعد سنتين من الفراق

سنتان من الفراق غصتُ في بحرهما وتذوقت ملحهما للوصول الى شاطئ النسيان، شرود من تراجيديا المأساة، سنتان لا تتحرك شعرة حنين في قلبي باتجاه فسحة، لا أشتاق لسهرة امرن عضلة قلبي بها ضحكة، لا أتمنى لنفسي ما تتمناه الناس لنفسها. شعورٌ غريب، كثير النقد لحياتي، حبيب العزلة في بيتي، حتى أصبحت مجرماً أعاقب نفسي، أعذبها وأسجنها في دهاليز الغربة، أقمعها، اسلب رغبتها، صاحبت ظلام الليل وغسقه وعاديت نور النهار وفرائضه، البعض اطلق عليّ مجنوناً لكثرة انعزالي وقال آخرون: مغرور لعدم ابتسامتي وسُميت مشدوهاً للغوص في أفكاري. قتلت نفسي دون شعور بعدما أذنت للكآبة أن تصيب بسهامها الخبيثة قلبي ليتدفق دمُ ذكرياتٍ مرتْ عفى عليها الزمن وأصبحت في خبر كان، وجعلتني اتحلى بحياة الصعاليك. سنتا عقاب مرتا في غمرة الحياة لا أدري أين ترسو سفينتها المدمرة. في العمل يذبحني سيف فكر الفراق، في النهار اغرق في بحر العذاب، في الليل تقتلني رصاصة الاشتياق، حتى دعوت ربي أن أرى ما اطمح اليه، وأقبل بلاعج ما أثرت عليّ، وضحّت بروحها لِما احدو اليه.
في ليلة صيفية رطبة ارتفعت حرارتها الى 45 درجة دون أن أبالي بحرارتها نمت كعادتي على كساء في بيتي كصعلوك يطارده الفقر الاجتماعي والمالي يبحث عن زاوية في الأزقة يخلد فيها ليقتل سلطان السبات العميق، بعدما أتعبني ارهاق الفكر وبت أسير جند الاغفاءة العميقة، واذا بشخصين اقتفا أثرنا، قالا واستمرا ذهاباً أمامي: الى أين؟ ناديتهما.
لا شأن لك، عليك أن تطيع الأمر وما تنبس بكلمة.
فسلمت أمري بأيديهما واقتفيت أثرهما حتى دخلا في سرداب مظلم لم يرَ فيه شيء إلا أصوات من بعيد كأنها تخرج من الأجداث وقضاة يحاكمون مساجين على افعال لا افهمها، قد يكون يمتد تاريخها إلى قرون، فوقفت برهة لا اراديا، على أصوات أطفال ونساء تجهر عالياً لا أفهم لغتها ومحاكم تعلو هيبة قضاتها لميزة أصواتهم تخيف مَن لا ذنب له، كأنها تحاكم بشراً تريد تذلهم تطلب منهم أن يرقدوا في حفر حفروها منذ سنين، وصخاب سجاني المحاكم تأمرهم بالجثم، فسألت أحدهما: سيدي من هؤلاء؟ فحملق بعينيه وقال: ألم أقل لك اتبع أثرنا دون أن تتكلم؟
سمعا وطاعة، قلت لهما.
فأخذت نفساً عميقاً واتجهت ذهاباً خلفهما دون بريق أمل، حتى غابت الأصوات وأضاء الطريق قليلاً، فرأيت مقفرة على شمالي خالية من العشب والاشجار تضم سرداباً تخرج منه أصوات كأنها خلف أقضبة الزنازين وغياهب ظلمتها يطلبون الرحمة والمغفرة بصخاب يكاد يعبر قارة كما قدرته «العفو يا سيدي ارجعونا إلى عالمنا فنجعلهم قبلة لنا ونعظمهم» فطلبت الوقوف هنيهة كي اشبع فضولي عمن يكون في السرداب.
من ينتظرك أعظم ولا وقت لدينا، هكذا قال احدهما وربت كتفي.
فزاد خوفي وتجمعت تجاعيد وجهي استغراباً وخشية أن التحق بالمساجين، فاتبعتهما، وأمواج الفكر بدأت تتلاطم في رأسي وتذكرني بدميم عملي في حياتي والحنث وليد الساعة اذ فعلته، قلت في نفسي بعد ما التصق الحاجبان في غرة جبيني، يا الهي ما هذه الكوارث. أين أنا؟ هل ما رأيته يوم الميقات؟ عالم غريب. محاكم يطلب قضاتها من البشر أن يرقدوا في حفر. نساء واطفال يشكون، مساجين يطلبون الرحمة. لا اكاد أنتهي من شكوكي وخوفي واذا برياح ساخنة كأنها المؤتفكة، ائتفكت، لا تقدر سرعتها، كأنها تخرج من كوكب لم أره من قبل، أو الدرك الأسفل في الحُطمة منبعها حصب، لا تقارن سخونتها، تنزع الجلد، حرارة لظاها تحرق من يواجهها، هبت من الشمال، يجتازها من يُسمح له ويؤذن له بالمرور.
وعندما حاولت الوثبة الأولى لأتجنب سيف الرياح الحارق، لسعتني حرارتها وخرجت الودك من جسمي، فطوقني نطاق الظمأ، حتى صار لساني يحتاج لِلمى فمي، بت احتاج المساعدة، حشرجة الموت كشرت عن أنيابها، صرخت بصوت متغرغر، الغوث إن الرياح أحرقتني والظمأ قتلني.
فرد أحدهما اتبعنا حتى تصل إلى اهل اليمين لتنعم بعين ماء تتدفق منها مياه عذبة.
فقلت: يا سيدي انني عاجز ولا أتمكن من أن أتبعكما.
فقالا: أنت أسعى قليلاً ويأتيك من يسعفك، لكن عندئذ ارتفع ضربان قلبي وضاق نفسي اثر حرارة رياح وليدة اللظى ودخلت غيبوبة فسقطت أرضاً، وفقدت الاحساس بالحركة.
لا أدري كم من الوقت استغرقت الغيبوبة لكني استيقظت على حنو صوت يرقص على أوتار الزهد ملحن بلحن المحبة، ويدان قبضة احداهما تمسح على رأسي وأخرى تضمني على صدرها، ووجه لا توجد فيه تجاعيد الشيخوخة كشمس شتاء بعد يوم غيوم نقاه الرذاذ، تحفها عين ماء تتدفق منها مياه عذبة تروي الظمأ من اول جرعة، ولدي حبيبي ألا ترقب بجرعة ماء، قالت أمي.
حاولت أن اقفز فرحا من حضنها لكن ارهاق الرحلة اثقل جسمي، وعطشها نشف فمي، ونارها نزعت جلدي، والخوف أرعب قلبي، أصبحت لا أملك إلا الدموع التي تنهمر من عيني، وصوت متغرغر يجعل المفردة متقطعة بحروفها.
أماه أتعبني فراقكِ وجعل الحياة سَقَراً لي.
هذه ارادة الله كتب علينا ما كنّا نعيشه اختباراً للنجاح بغية الدخول في هذا العالم الجميل بشهادة عالية الدرجات، كي ننعم في قصر مليك يحتوي جنانًا متزينة بأنهار وأشجار تحمل ثمراً يأكل منها الفائزون، قالت لي.
أماه وما ذنب الذين رأيتهم في رحلتي اليك؟ أليس من حقهم أن ينعموا بما تنعمون به؟
غضبت وأدارت وجهها وتمتمت بجمل لم اسمعها لكن تباشير وجهها أوحت بالاستياء.
لا أقصد ما يؤذيك، قلت لها.
لا عليك يا حبيبي.
إن ما سمعته في بداية السرداب من أصوات أطفال ونساء، كانوا يطالبون بدماء آبائهم بحيث المجرمين الذين مثلوا أمام القضاة هم من الملوك والرؤساء الذين بطشوا بشعوبهم في الدنيا وحفروا لهم حفراً دفنوهم فيها وهم أحياء، لذلك الآن يجازون بما عملوا، فحفروا لهم الحفر وقالوا لهم أيها الموبوقون ارقدوا فيها وأنتم المعززون. وأما المقفرة الخالية من العشب والأشجار التي وضع المساجين في سردابها وانت سمعت أصواتهم يطلبون الرحمة والمغفرة، فهؤلاء كانوا يظلمون والديهم، لا يديرون لهم بالاً ولا يحترمونهم، فكانوا مصابين بداء الغرور ومرض الدنيا. أما ما لسعتك من رياح ساخنة فهذه من فلول نار جهنم وقودها المجرمون يوضع فيها كل من يخالف قوانين الله. عندها ذكرت ذنوبي التي لا تعد ولا تحصى، فتعرق جبيني وأصابتني رجفة عرقلت الدم في عروقي حتى بدأ ضربان قلبي يزداد ثانياً فجثمت في أحضان أمي وقبضت بيدي قبضتيها وسلمت أمري لله وبت اشعر بوشك الموت لكني فجأة شعرت بنعيم وانا في سكرة الموت بقبلة أمي وهي تبكي وتشكي حالي لله بصوت جهور، انه ابني فلذة كبدي اعفه من عذاب الآخرة ولا تحرمه من عائلته فهو حديث الدخول بنعيم الأسرة. واذا برنة المنبه كعادتها ملأت البيت بصخابها فصحوت.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث