جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 09 مايو 2017

باقي هالشفة!

دُعيتُ مرة إلى عشاء في منزل الأديب الكبير الراحل أميل حبيبي في براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا آنذاك. كان ابنه سلام زميل دراسة.
اجتمعنا تلك الليلة، فلسطينيون من الشتات ومن أراضي الـ 48 ولبنانيون وأردنيون وكان البرنامج المرحلي الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني العام 1974 الطبق السياسي الرئيسي في السهرة وأساسه خيار «الدولتين» الفلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 (الضفة الغربية وقطاع غزة) جنبا الى جنب مع اسرائيل، أي الاعتراف بالدولة العبرية.
كلما تقدمت السهرة كانت الاصوات ترتفع، وكان الأعلى صوتا الزملاء المنتمون يومها الى اتجاهات اسلامية، وبعض الحركات القومية.
تمسك هؤلاء بتحرير فلسطين كاملة من النهر الى البحر أو «من المي إلى المي».
انتبه المرحوم أميل حبيبي الى الجملة الاخيرة «من.. الى» فعلق بسخريته اللاذعة «حرروها وسأدعكم تركبون على ظهري من النهر الى البحر المتوسط».
تذكرت هذه القصة التي مضى عليها أربعة عقود وأنا أتابع وثيقة «حماس» الجديدة التي اعلنتها الاسبوع الماضي في الدوحة.
الوثيقة مفاجأة من النوع الثقيل. تكاد تكون نسخة طبق الأصل عن وثيقة منظمة التحرير قبل 44 عاماً والتي رفضتها حماس وبررت شرعية وجودها برفضها ووصل الأمر حد شق المقاومة الفلسطينية، وتقسيم الحكم الذاتي الواحد الى دويلتين: الضفة والقطاع.
أهم بنود الانقلاب التخلي عن «تحرير فلسطين من النهر الى البحر» الوارد في وثيقة تأسيس حماس العام 1988، والقبول بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع، أما الانقلاب الكبير الثاني فهو اعلان حماس انها ليست فصيلا من تنظيم الاخوان المسلمين.
لماذا هذا الانقلاب الجذري ولماذا تتجرع حماس كأسا شديدة السم الآن؟
لن نتوقف عند سخرية بعض وسائل الاعلام العربية والعالمية التي شبهت بعض المقاطع المستجدة في «وثيقة الدوحة» ببيانات منظمات حقوق الانسان أو الحركات النسائية، المهم الوقوف على الأسباب الحقيقية التي اجبرت حماس على تغيير ميثاقها!
أول تلك الاسباب الفشل المتراكم لحماس على الساحة الفلسطينية وتحديدا في غزة التي تزداد أوضاعها تدهورا وتتفاقم معاناة اهلها تحت حكم الحركة، فضلا عن قناعة تترسخ وتتسع بأن حماس سببت بنسفها وحدة حركة التحرر الفلسطينية خسارة فادحة جدا للقضية الفلسطينية وأخرت لسنوات كثيرة ايجاد حل عادل لها، ووفرت للعدو الإسرائيلي أجواء تصعيد اجرامه وعدوانيته ضد الفلسطينيين.
من الأسباب الرئيسية سقوط الاخوان المسلمين في البلدان العربية. في مصر تلقت حماس حماما باردا اثر سقوط حكم الاخوان، تلتها أزمة كبرى مع القيادة السورية التي وفرت لها الملجأ والحماية لكن حماس انقلبت عليها عندما حسبت خطأ ان اخوان سوريا في طريقهم لإزاحة الاسد واستلام الحكم! أضف إلى تراجع الإخوان في الإقليم (الأزمة التركية).
كثير من دول العالم بما فيها عربية وخليجية صنفت «الاخوان المسلمين» منظمة ارهابية، فلم يبق امام حماس سوى التهدئة وفك الارتباط بالاخوان ولو شكليا، لتقديم نفسها بصورة معتدلة.
الأهم من الكلام الفعل، المقياس الأول للمصداقية، خصوصا ان التحول الجذري لم يرتبط بأي نقد ذاتي ذي قيمة يقيّم الأخطاء والخطايا التي اضاعت 44 عاما من الفلسطينيين، ويتعهد بعدم التكرار.
الخشية ان تكرر حماس مشهد دريد لحام في «كاسك يا وطن» عندما سأله والده الشهيد عما بقي من القضية فأجابه «لم يبق منها غير هالشفة.. رح نشفها ونخلص منها».

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث