جريدة الشاهد اليومية

السبت, 22 أبريل 2017

انكسارُنا المُذل

كنت بصدد الكتابة عن الاستفتاء في تركيا الذي حوّل نظامها من برلماني إلى رئاسي كخطوة إضافية نحو الأوتوقراطية، ليس من باب التلاعب وانعدام الشفافية والفوز بطعم الهزيمة للرئيس أردوغان، بل من زاوية تغلّب الريف على المدينة، وزحف التريف إلى الحياة العامة والنظام السياسي في تركيا، كما في أكثر بلدان الإقليم، ما يعني زيادة موجة المحافظة والانغلاق في نظامين دينيين إقليميين مجاورين للعرب، (تركيا وإيران) والانعكاسات السلبية الكثيرة لذلك عليهم.
لكن تقريراً صادماً لجامعة هارفارد عن مأساة الأطفال المشردين في اصقاع اليابسة والبحر، وغالبيتهم من بلدان عربية، دفعني لعرضه. فبدل أن يكون لأطفالنا الأحسن والأفضل والأجمل، فإن المآسي التي نصنعها نحن أو نحياها حروباً أهلية وموتاً وخراباً وطائفية واستبداداً وقهراً، يعود النصيب الأكبر منها إليهم.
ما يدمّر بأيدينا وأمام أعيننا، بسكوتنا وعجزنا وتفاهتنا، ليس يوم العرب وحاضرهم فقط بل يدفن معه غدهم ومستقبلهم!
في العام الماضي، كشفت  الشرطة الأوروبية (الأوروبول) أن عشرة آلاف طفل لاجئ اختفوا بعد وصولهم إلى أوروبا. انتهوا تحت سيطرة عصابات اجرامية تسيء استخدامهم وتستعبدهم جنسياً.
أطفال سوريون وعراقيون وليبيون ويمنيون يركبون البحار والمحيطات حتى بدون عائلاتهم أو رفيق راشد هرباً من الجوع والموت والتشرد، فيقعون في مهاوٍ إضافية من المآسي ويدفعون ثمناً غالياً جداً للكوارث التي تضرب أوطاننا المبتلاة بالمصائب من كل نوع.
لا تتحدث دراسة هارفارد عن المال ثمناً. إنما عن أطفال يُرغمون على تقديم أجسادهم ليتقدموا خطوة اضافية من اليونان باتجاه أوروبا الغربية.
مطلع عام 2015 كان كل واحد من عشرة لاجئين طفلاً دون سن الـ14 عاماً، لكن بعد ثلاثة أشهر فقط،  أصبحت النسبة طفلاً غير بالغ لكل ثلاثة فارين. اجتاز اليونان 500 ألف طفل، تعرض من تعرض منهم للاستغلال الجسدي والجنسي، وبقي حتى الآن نحو ثلاثين ألف طفل عالقين في الجزر اليونانية. يعيشون مأساة إنسانية فظيعة حتى بالمقارنة مع الأطفال اللاجئين خلال الحرب العالمية الثانية. وتكشف الدراسة واقعاً صارخاً فـ«الاستغلال الجنسي» الذي يُجبر عليه هؤلاء الأطفال أصبح «استراتيجية للبقاء على قيد الحياة».
الأطفال التائهون لا يملكون مالاً يدفعونه للمهربين، فيضطرون للدفع بطريقة أخرى. يبيعون أجسادهم مقابل 15 يورو. فيما المهرب يتقاضى ألف يورو لينقل الطفل غرباً من اليونان. فكم يتعرض هذا الطفل للاغتصاب حتى يجمع المبلغ؟!
«لم نعد نستطيع الجلوس دون أن نفعل شيئاً، واللاجئون الأطفال يُجْبرون على بيع أجسادهم في وضح النهار وعلى مرأى من الجميع في شوارع أثينا»، أو عندما تتواصل مأساتهم في إيطاليا والسويد وفرنسا وبقية المدن الأوروبية، كما تصرخ مؤلفة الدراسة الدكتورة فاسيليا ديجيدك في وجه أبشع أنواع انتهاك حقوق الإنسان، أما نحن العرب المقهورين بالعجز والوهن والعقم، فغير قادرين على حماية أطفالنا، فنجعلهم فريسة حتى تنتهك طفولتهم.
لا أمن ولا أمان لهم، يعيشون القهر والاذلال والموت يومياً: تحرش، اغتصاب، انتهاك، عنف ومضايقات جنسية وجسدية وتعرية.
لم نؤمن لهم بيتاً ولقمة، ولا مدرسة وثوباً ولعبة وفرحاً، نقتلهم وندفن أحلامهم، ونواصل انكسارنا ولا نرى له آخر.
ما نستحقه فقط هو «تفوه علينا». بصقة الشاعر الكبير سعيد عقل الذي رمانا بها بعدما عجزنا عن اشهار سيف القدس وضيعنا بغداد وأحرقنا الشام و....

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث