جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 19 أبريل 2017

وصية أبي محجن العجيبة

إذا مت فادفني الى جنب كرمة
يروي عظامي بعد موتي عروقها
بيت مشهور جدا عند أرباب الأدب يحمل وصية ما أنزل الله بها من سلطان، وصية في غاية الغرابة!! صاحب هذا البيت يوصي ابنه بدفنه بعد موته ان يجعل قبره الى جنب شجرة الكرم، هذه الشجرة التي يعصر منها الخمر، لماذا أوصى بذلك؟ الناس توصي بما يكون ذخراً لها يوم لقاء الله عز وجل وهو يوصي بذلك!! هو يريد عظامه بعد موته ان ترتوي من هذه الشجرة، هذه الوصية تدل دلالة واضحة على ان صاحبها مدمن خمر، أيجوز للمرء أن يوصي مثل هذه الوصية؟ ألا أوصى بصدقة جارية؟ ألا أوصى ببناء مسجد!! هذا الرجل صاحب هذه الوصية هو صحابي فارس شجاع أدرك الجاهلية والاسلام اسمه: عبدالله بن حبيب بن عمر بن عوف المعروف «بأبي محجن الثقفي» وهو مخضرم عاش الجاهلية والاسلام كان فارس ثقيف بلا مدافع، الا انه كان مدمنا على الخمر لا يصبر عنها وقد أقام عليه الحد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم نفاه وغربه الى جزيرة حضوضي وأرسل معه حرسياً يحفظه يقال له: «ابن جهراء» فهرب أبو محجن من الحرسي وتوجه الى العراق وفي ذلك يقول:
الحمد لله نجاني وخلصني
من ابن جهراء والبوصي قد حبسا
من يجثم البحر والبوصى مركبه
الى حضوضي فبئس المركب التمسا
البوص ضرب من السفن، فارسي معرب وصل أبو محجن الى العراق اذا المسلمون يقاتلون الفرس في القادسية فعلم به سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه وكان أمير الجيش فقبض عليه ووضع القيد برجله وسجنه، بأمر عمر بن الخطاب، وفي ليلة من ليالي القادسية اشتد القتال فيها فأخذت ابو محجن الحمية فمشى يرسف بقيوده الى «سعدى» زوجة سعد، فسألها ان تحل قيوده وتعطيه «البلقاء» فرس سعد ليقاتل مع المسلمين، وأعطاها عهدا ان يعود الى سجنه ان لم يقتل، فحلت قيوده وأعطته الفرس، فأغار على ميمنة الفرس وقاتل قتالاً شديداً ثم عاد وكر على الميسرة وكان يقصف الناس قضماً شديداً فتعجب المسلمون من قتاله ولم يكونوا يعرفونه، فنظر اليه سعد بن أبي وقاص وقال: الطعن طعن أبي محجن والصبر صبر فرسي البلقاء ولولا انه محبوس لقلت انه هو وأن الفرس فرسي ولما جن الليل عاد أبو محجن الى سجنه ووضع القيد برجله وكان قبل ذلك يقول:
كفى حزناً ان تردى الخيل بالقنا
وأترك مشدوداً على وثاقياً
إذا قمت عناني الحديد وأغلقت
مصاريع من دوني تصم المناديا
فرأته زوجة سعد وقال له: يا أبا محجن في أي شيء حبسك هذا الرجل؟فقال: كنت صاحب شراب وأنا امرؤ شاعر فحبست لقولي:
اذا مت فادفنني الى جنب كرمة
يروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفني في الفلاة فإنني
أخاف إذا ما مت ألا أذوقها
فذهب الى سعد بن أبي وقاص وكلمته في أمره فدعا به وأطلقه وقال له: لست مؤاخذك بشيء تقوله، حتى تفعله فقال أبو محجن: لا جرم والله لا شربتها أبدا، ثم قال بعد أن أقلع عن شرب الخمر:
رأيت الخمر صالحة وفيها
مناقب تهلك الرجل الحليما
فلا والله أشربها حياتي
ولا أشفي بها أبداً سقيما
ولا أعطي بها ثمنا حياتي
ولا أدعو لها أبداً نديماً
فإن الخمر تفضح شاربيها
وتجنبهم بها الأمر العظيما
وللأمانة التاريخية فإن هناك من يعزو هذه الأبيات: لقيس بن عاصم المنقري التميمي، أما أبو محجن فقد توفي بأذربيجان وقيل جرجان سنة 30 للهجرة في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، والعجيب ان  وصيته قد تحققت فقد ذكر الهثيم بن عدي بسنده ان رجلا أخبره أنه رأى قبر أبي محجن الثقفي وقد نبتت عليه ثلاثة أصول كرم وقد طالت وأثمرت، وهي معروشة، فتعجب الرجل من ذلك وتذكر قوله:
اذا مت فادفني الى جنب كرمة
تروى عظامي عند موتي عروقها
وعندما تولى الخلافة معاوية بن أبي سفيان دخل عليه ابن أبي محجن فقال له: أولست أبوك القائل:
اذا مت فادفني الىجنب كرمة
تروي عظامي بعد موتي عروقها
فقال له ابن أبي محجن: لو شئت لذكرت ما هو أحسن من هذا، قال وما ذلك؟ قال: قول أبي:
لا تسألي الناس عن مالي وكثرته
وسائلي الناس ما فعلي وما حسبي
أعطى السنان غداة الروع حصته
وعامل الرمح أرويه من العلق
عف المطالب عما لست نائلة
وان ظلمت شديد الحقد والحنق
والقوم أعلم من سراتهم
إذا سما بصر الرعديدة الحنق
في أبيات أخرى، فأعجب به معاوية وقال له: والله لئن أسأنا لك القول، لنحسن لك الجائزة ثم أجزل له العطاء واذا ولدت النساء فيلدن مثلك، انتهى حديثي والسؤال: ما رأيكم بهذه الوصية التي تحققت لهذا الرجل بعد وفاته؟ أترك الاجابة لكم وأترككم في حفظ الله ودمتم سالمين.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث