جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 18 أبريل 2017

آخ

بعدما غادر الكاتب الكبير أمين معلوف بيروت واستقر في فرنسا وحصل على جنسيتها، طالما سُئل عمّا إذا كان يشعر بنفسه «فرنسياً» أو «لبنانياً»، حتى تفجرت الإجابة كتاباً بحثياً غنياً بالأفكار صارت اليوم أكثر حدة وإلحاحاً، رغم أن مبدعها تمنى ان تصبح سريعاً تاريخاً للذكرى وليس للعيش.. لأنها تتعلق بأزمة عميقة تعيشها أكثرية الشعوب العربية، الأزمة التي سماها معلوف «الهويات القاتلة»، لأنها تجسد اهتزار انتماء العربي اليوم وهويته وجنسيته.

ومع أن الكتاب «ليس دليلاً للأدوية» كما يقول الكاتب، لكنه يشخص المرض العضال الذي يزداد استفحالاً في الجسد العربي، وحوّل أكثرية بلدانه الى دول طاردة لمواطنيها، حتى لم يبق سوى دول عربية نادرة، تعد على أصابع اليد الواحدة تنعم بجنسية جاذبة ثمينة، الكويت بين تلك الدول، والأصح أنها في طليعتها.ففي الجنسية الكويتية سمات الكويت، دستورها، ديمقراطيتها، أمنها وأمانها، احترام المواطن ورفاهه، الاستقرار، المستوى المعيشي الراقي.
بعد فلسطين التي هجرت إسرائيل أهلها وشردتهم، كونها استعمارا استيطانيا يبتلع الأرض وينفي البشر، فجّر الاستبداد والقهر والاضطهاد السياسي والاجتماعي، والفشل في التنمية والعجز عن التقدم، معظم دول المشرق العربي ومغربه لأهلها وناسها وجعلها طاردة.
في المشرق ضربت النكبات المركبة والحروب الأهلية لبنان وسوريا والعراق، واليمن، والأزمات السياسية مصر والأردن، فجعلها دولاً طاردة لمواطنيها، يفرون ويهاجرون ويتشردون في بلاد الله الواسعة. الصورة المؤلمة نفسها في المغرب.. فدوله كلها المغرب والجزائر وتونس وأخيراً ليبياً وموريتانيا تطرد مواطنيها الى المنافي عبر الأطلسي.
تعكس أزمة الهوية في تلك البلدان أزمة أعنف وأقسى، أزمة وجود، هي أخطر نتاجات الحروب الأهلية والطائفية والقبلية. وأزالت في الوقت نفسه أي حلم عن التكامل والوحدة وجعلته حلماً طوباوياً.
سياسات الاستبداد والاضطهاد والحرمان هزّت الهوية وأضعفت الانتماء وجعلت الجنسية ورقة تُرمى، وجعلت حامليها يبحثون عن دار أمان واستقرار.
في المقابل، جعلت أزمة العرب وموجات التهجير، معظم دول العالم تتشدد في منح جنسيتها إلى القادمين الجدد، حتى أصبح الحصول عليها أكثر صعوبة مما كان ويصل حد الاستحالة، وعدلت دساتيرها بحيث لا تلزم دولها في تبرير عدم منح جنسيتها لطالبيها، ولا تشّرع منحها إلا في حالات محددة، تحدد أجهزة الدولة نفسها إمكانيتها وشروطها، لأن أولى واجبات الدولة وحقوقها هي حماية الدولة نفسها، وأساسها المواطنون أنفسهم.
الهويات الوطنية تضيع بالاحباط وفقدان الأمل  فيحصل الهروب منها ومن الوطن نفسه. لكن الهويات تضيع أيضاً بالإغراق والتخمة، ومن حق الشعوب أن تصون ذاتها وتحمي هويتها وجنسيتها.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث