جريدة الشاهد اليومية

الجمعة, 07 أبريل 2017

عاصفتان توحيان بموت مبدعٍ

دعت الأرصاد الجوية إلى توخي الحذر، وقالت ان يوم غد الرياح ستكون متغيرة الاتجاهات وستسبب التقلبات الجوية المثيرة للأتربة  والعواصف الرملية في وقت الصباح، وستظهر السحب المحملة بالأمطار الغزيرة، والطقس غير مستقر وعلى البحَّارة والسفن ألا يركبا بحراً وسائقي السيارات لا يسلكون طريقاً والتلاميذ لا يذهبون الى مدرسة وعليهم أن يلزموا أماكنهم كي لا يتعرضون للكوارث في البحر والحوادث في الطرق والربو في المدارس. وفي صباح اليوم التالي أصبحت الرياح كما أعلنت الأرصاد الجوية متقلبة ما بين الأتربة والغيوم المتكاثفة التي توحي بالعاصفتين الرملية والرعدية، واذا بالمنادي كرر ما قالته الأرصاد الجوية فنادى بمكبر الصوت من جامع المدينة «انَّا لله وانا اليه راجعون» يا أهل المدينة لا تبحروا بحراً ولا تركبوا سيارة ولا تنزلوا سوقاً ولا تذهبوا الى مدرسة فسيروا إلى وسط المدينة، ان المدينة تيتمت.
كان حديث البحَّارة الممنوعين عن البحر وسائقي السيارات المتراكمة سياراتهم على مداخل المدينة الذين يقلون المسافرين إلى المدن الأخرى، والنَّاس في الأسواق يتكلمون عن العاصفتين الرملية والرعدية، منهم من يرجع السبب إلى غضب إلهي لعدم مصداقية بعض الناس ومنهم من يرى في الأمر الإلهي خيرةً. كل يفسر الأمر بناء عما استقاه من جغرافية مجتمعه، حتى جاءهم خبر الوفاة لكن بأنباء متضاربة اثر ضبابية الخبر وإعلان تيتم المدينة دون الافشاء باسمه. فقيل شيخ القبيلة المقرب للمحافظ. وقيل السيد العالِم بالمستقبل عبر فنجان القهوة. بحيث في المدينة الأول من يشترك في القضايا الاجتماعية والصراع القبلي والثاني مَن يحدد رؤية المستقبل بناء على رؤيته التي يستقيها من فنجانه، وصارت التحاليل التي تشير للكبار المصحوبة بالصخاب في المدينة أقرب لليقين حسب تفاسير عامة الناس.
وفي الوقت الذي تضاربت الأنباء فيه، كشرت القنوات المحلية عن أنيابها وسرعان ما نشرت الخبر المفجع عبر القنوات المحلية والاذاعة وأعلنوا وفاة الأديب الكبير حتى انتشر الخبر في كل أنحاء الاقليم.
ففتح مذيع القناة برنامجه بالآية الكريمة «انَّا لله وانا اليه راجعون».
وقال: أيها المشاهدون ويا أيها المواطنون، أيها الاخوة والاخوات لقد تلقينا خبر وفاة، فشرعت عيناه تنهمر منهما الدموع، وارتعشت شفتاه وتقربت تجاعيد وجهه حتى التحمت في غرته. فثار فضول الناس غاية معرفة وفاة من أحزن ثقافة البلد وأعاق البحر والسير وعطل المدارس.
فوقف المذيع برهة فمسح عينيه وشرب جرعة من الماء واستقام بجلسته ليسيطر ويسترد قوته المهنية والإعلامية، حتى يعلن الخبر عبر شاشة التلفزيون للمدينة  المحافظة، فأخذ نفساً عميقاً، وردد الآية التي تقول.
«قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون» ليبين قوته وإيمانه بقضاء الله وقدره.
فقال: بكل أسف نعلن من هذا المنبر الإعلامي وفاة الشاعر والأديب السيد مهدي الملا فاضل السكراني اثر نوبة قلبية وسيوارى جثمانه الثرى يوم غد الساعة الثانية مساءً.
وقُطِع البث من الاستديو وتحول لفاصل إعلاني ثم كملت القناة نشرتها عبر تقريرٍ تعرّف به مسيرته الأدبية.
فقال صاحب التقرير، ان مهدي المُلا فاضل السكراني شاعر وأديب ينتمي إلى عائلة عريقة وأديبة من أصول عربية ومخترع النمط المهداوي، والمهداوي شعر على وزن الميمر لكن تزيده تفعيلة في كل شطر على بحر الرجز «مستفعلن مستفعلن مستفعلن مستفعل» فأبدع به وقدم صوراً جميلة نقدية واجتماعية وتوعوية، فأضاءت شمعته ظلمة المجتمع، وترك إرثاً شعرياً مهداوياً يتغنى به في الورش المفيدة بصوره الشعرية، واليكم ما قاله في أمسية شعرية في نقد الجهل:
«ياصاح صيح العز مشى وخبر العشيرة المادرت ونبيها
دار الرحل عنها المجد للأسف بس ظل ينسمع ونبيها
قوم الكثر بيها الجهل ما تقدر اتنول الشرف ونبيها
يحوي الشرف بس المشى اب غيرة وصبح غيراوي»
فبدأ الدمع ينهمر من عيون محبي الشعر والأدب ومن يعرفونه حينما سمعوا مذيع القناة المحلية ينقل الخبر وحر اللظى قلوبهم وشَغَفَ حب حضور التشييع فؤادهم رغم الطريق الفج الذي يفصل بين المدينة والأخرى، فتوافدوا اليوم التالي على المدينة يحملون اللافتات المكتوب عليها شعره الابداعي المنسوب له حينما كان يفخر به عبر «مهداوي» جميل يقول فيه:
بوسام كل شاعر فطن هذا الشعر وسميته
وبخير كل وسمي النزل يسقي الأرض وسميته
خلدته بسمي ودونت اسمه بثقة وسميته
واليسألك عن هل شعر جاوب يخي مهداوي»
وكان يوماً غيوماً احمّرت سماؤه اثر السحب المتراكمة لتنقية الأجواء من العاصفة التي حذّرت منها الأرصاد الجوية وبدأ الرذاذ رويداً رويداً ينقّي ويلطف الأجواء ليمهل الوفود التي قطعت شوطاً كبيراً من المدن الأخرى وسائقي السيارات والبحارة والتلاميذ الذين وصلوا ليقين انّ شاء الله في ذلك اليوم يجعل العاصفتين الرملية والرعدية سبب تأخرهم عن العمل ليكون لهم حضوراً في التشييع وأهل المدينة سوياً يدفنون شاعرهم مبدع الشعر المهداوي في مدينة الفلاحية بجوار أبيه المرحوم ملا فاضل السكراني.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث