جريدة الشاهد اليومية

السبت, 25 مارس 2017

لو تُعيد صفاء النظر!

وأنا أتابع التصريحات الغزيرة للأخت الفاضلة النائبة  صفاء الهاشم واقتراحاتها لمعالجة مشاكل الهدر في المال العام، والاختلالات في عمل مرافق الدولة والوزارات والأجهزة الحكومية ولاحظت كما الكثيرين غيري، إصرارها على شيطنة الوافدين واعتبارهم كأنهم بقعة سوداء في الثوب الكويتي، قرأت بالصدفة تقريراً حول مشكلة تتفاقم في اليابان والحلول التي تطرح من قبل السلطات المعنية والعاملين في الشأن العام والناس العاديين علاجاً لها.
حسب التقرير،تعاني اليابان من ارتفاع حوادث السير والوفيات الناجمة عنها، وحددت  معالجة المشكلة هدفا.
اولا أخضعت المعضلة لدراسة علمية معمقة، فاكتشفت أن كثرا من كبار السن سبب تلك الحوادث، حيث يقعون في خطأ متكرر اذ هم  يدوسون على دواسة الوقود بدل الفرامل.
بعد نشر التشخيص انطلق  نقاش  عام على الصعيد الوطني الياباني بلور اقتراحات عديدة، بينها إقناع كبار السن بالتخلي طوعاً عن رخص قيادتهم  مقابل مميزات منها تخفيض نفقات الدفن، وأجرة التاكسي، والمصحات.
واقتراح آخر بوضع حد أقصى لعمر السائق،أو إخضاع كل من يقود سيارة،بغض النظر عن عمره، لاختبار دوري: عملي في القيادة ونظري في قواعد السير كل خمس سنوات،وكذلك أن تكون رخصة القيادة ميزة وليست حقاً مكتسباً.
الملاحظ أن القاسم المشترك الأبرز بين كل المقترحات،التشديد على  ضرورة تطبيق القانون بحزم على الجميع دون استثناء او واسطة من أي كان ولأي سبب كان.
في الكويت، كما في أي بلد،مشاكل منها ما هو مرتبط بالنمو لذا فهي طبيعية، وأخرى سببها سوء الادارة والبيروقراطية وغياب المحاسبة، وهناك نقاشات جدية بشأنها تتمخض عن اقتراحات ريادية وفعالة اذا وجدت طريقها للتطبيق، لكن بعض المواقف «فرسانها» نواب ديدنهم دغدغة مشاعر الناخب، تخلو، للأسف، من تشخيص موضوعي للمشاكل ونهج علمي لمعالجتها. الاستسهال فيها سيد الموقف، يلقون المسؤولية على كاهل الوافدين، فيأتي الحل  عشوائيا سهلا : تخلصوا منهم،وتشددوا في معاملتهم وقللوا التقديمات المقدمة لهم او حتى الغوها وارفعوا تكاليف معيشتهم، فتنفروهم وكفى الله ضرورة الاجتهاد والبحث الجدي عن حلول حقيقية مفيدة للكويت. الشعبيوية والإثارة والتأليب يمكن ان تكون بضاعة رائجة لبعض الوقت لكنها حكما عاجزة عن معالجة مشكلة.
الوافدون  يأتون إلى الكويت لأنها بلد خير وأمن وأمان. يعملون فيها ويجدون  ويجتهدون ويكسبون، يقدمون قوة عملهم وخبراتهم ومعارفهم، مقابل أجر او شراكة. أما تحميلهم مسؤولية اختلال التركيبة السكانية فمبالغة فجة. العدد الفائض من الوافدين او العمالة الهامشية  أو البطالة المقنعة افراز تجارة اقامات او رغبة في زيادة المعروض من  العمالة لتخفيض أجرها، اذن الوافدون  هم، قبل غيرهم، ضحايا هذا الخلل لا سبب له.
أزمة السير وراءها سلسلة أسباب أصغر حلقاتها هم الوافدون.  اما  كون الطرقات تُستهلك أو يتطاير حصاها  فمن سوء خلطة الإسفلت المستخدم في تعبيدها،وعدم مطابقته للمواصفات.اما رقم الاربعة ملايين وافد الذين سيصادرون فرحة اهالي الجهراء بطريقهم الجديد فتحريض ليس في مكانه وتلاعب بالرقم يفترض الا يمر على الاخت صفاء وهي اقتصادية تعرف ان الدقة صفة ضرورية في الارقام التي تبنى عليها المواقف الجادة.
واذا   ذهبنا الى  الهدر الكبير  في وزارة الصحة يستحيل لمنصف ان يرميه على الوافد المقيم، وهو بالمناسبة يدفع ضماناً صحياً لإصدار إقامته ورسما لمراجعة المستوصف أو المستشفى.وقس على ذلك بقية المشاكل والاختلالات التي لن يتوج البحث على حلول لها بنتائج جدية اذا نظر اليها بعين واحدة لا ترى الا الوافد لإرهاقه بالرسوم والضرائب ومختلف اشكال الجباية.
نعم، يمكن عدم استقدام الوافد لانعدام الحاجة إليه. فهذا أمر منطقي بالنسبة للمؤسسات العامة والخاصة. ويمكن الاستغناء عنه عندما تنتفي الحاجة لعمله. أما عندما يأتي الوافد إلى الكويت ليعمل ويقيم وينتج بطريقة مشروعة فدخله الذي يتقاضاه والحقوق التي يكتسبها مقابل جهده وعمله، فلا يمكن مصادرتها.  كما لا يمكن الإساءة إليه وتجريحه والاعتداء على كرامته الشخصية وعزته الوطنية وتحميله مسؤولية لا يتحملها أبداً. يمكن ان يكون ذلك اسلوبا لكسب انتخابي او اعلامي،لكنه فيه اولا اساءة للكويت نفسها،وهي البعيدة عن هذا التفكير، اشتهرت  منذ وجدت بانفتاحها على أمم وشعوب واعراق وديانات مختلفة ومتنوعة ومتعددة.
أمضيت ثلاثين عاماً من عمري في الكويت أي أكثر مما أمضيته في وطني لبنان. هنا ربيت ولديّ، ومما جنيته علمتهما وزوجتهما، وساعدت أهلي، وبنيت بيتي واشتريت بستاناً ومزرعة وأرضاً، وأسست مشروعا يديره ابني بنجاح وان تعثر بسبب الأوضاع المتأزمة في لبنان.
وفي الكويت حققت مكانة مرموقة اعتز بها لدرجة ان مقربين جدا من السيدة صفاء وصفوني برئيس التحرير الفعلي لجريدة القبس التي كنت مديرا لها لربع قرن، واقمت صداقات من كل المستويات اعتز بها وأفتخر، دائماً إلا قلة قليلة جداً.
لذا، لا أبالغ ولا أتزلف فهذا ليس من طبعي، عندما أعتبر الكويت بلدي الثاني.
وانا متأكد ان الوافدين مثلي  يحبون الكويت ويكنون لها العرفان والتقدير، لأنها حقاً بلد خير وتسامح وانفتاح وأمن وأمان. فحبذا، لو تقلع القلة من أبنائها وبناتها عن قول ما ليس أصيلاً فيها، فمحبتها لا يمكن التعبير عنها بإبداء الكراهية للآخرين، والاستهتار بحقوقهم.

د.أحمد طقشة

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث