جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 23 مارس 2017

الأيتام في الدستور الرباني

لقد عني الإسلام بالأيتام وأولاهم اهتماماً ورعاية بالغة، وخصص بعض الآيات والأحاديث كي يتحدث عن أهمية رعاية الأيتام وكفالتهم، كان لهذا التوجيه الإسلامي أكبر الأثر في نهضة الكثيرين منهم، فاليتيم الصغير ينبغي معاملته بطريقة حسنة وكريمة تُشعره بمدى أهميته في الحياة كي يكون عضواً فاعلاً في مجتمعه وألا يؤثر يُتمه عليه، فنبينا عليه الصلاة والسلام توفي والده قبل أن يولد وقبل مجيئه للدنيا، وتوفيت أمه وهو في السادسة من عمره، واستطاع بفضل ربنا سبحانه أن يَحمل رسالة الإسلام وأن يُبلغها للناس رغم كل الصعوبات التي واجهته في حياته، وكي نقف وقفة صحيحة على واقع الأيتام لابد من لفت الانتباه لحالة اليتيم قبل الإسلام، والعصور الأولى في صدر الإسلام من خلال نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وواقع اليتيم اليوم، وما نطمح اليه في زيادة رعاية الأيتام وكفالتهم.
اليتيم: مَن فَقَدَ أباه وهو دون الحُلُم، واللطيم: هو من فَقَدَ أبويه، واليتيم من الطير أو الوحش مَن فقد أُمَّه.
إن المتأمل في يتم رسولنا الكريم يرى أنه كان بمثابة تشريف وتعظيم له فهذا قول ربنا سبحانه جل شأنه يقول في سورة الضحى: «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى»، لأن اليُتم في حقه عليه الصلاة والسلام يُعد نعمة، وفي حياة غيره من البشر نقصاً، فحين يَموت الأب يَشعر اليتيم – حتى وان كان كبيراً - حينها بفقدان الحنان الفطري الذي يقوي ظهره ويجعله قوياً، وتكون النفس من وقت لآخر في احتياج شديد لهذا الأب، فهو رحمة الله عليه – الأب – لا يهنأ ولا يشعر بطعم الراحة إلا في وسط أولاده في الأعم الأغلب ولا يستلذ بمعيشته إلا وهم حوله، يزداد فرحه بهم ولهم دون غيرهم من أقاربه وأحبابه يقول القائل:
اِذَا لَيْلَةٌ ضَاقَتْكَ بِالسُّقْمِ لَمْ أَبِتْ
لِسُقْمِكَ اِلاَّ سَاهِرًا أَتَمَلْمَلُ
كَأَنِّي أَنَا الْمَطْرُوقُ دُونَكَ بِالَّذِي
طُرِقْتَ بِهِ دُونِي فَعَيْنِيَ تَهْمُلُ
تَخَافُ الرَّدَى نَفْسِي عَلَيْكَ وَاِنَّهَا
لَتَعْلَمُ أنَّ الْعُمْرَ وَقْتٌ مُؤَجَّلُ.
حال الأيتام قبل الإسلام:
ان النفس البشرية التي خُصت بالخصال الحميدة، والصفات النبيلة، تميل إلى حُبِّ الأيتام ورعايتهم الرعاية الحسنة الشاملة، ولكننا ان نظرنا لحال الأيتام قبل الإسلام – فترة الجاهلية – تجد في هذا العصر من الزمان حقداً وغلاً وتعنتاً في معاملة الأيتام كهذه الحالة القرآنية التي يُصورها لنا القرآن الكريم في أواخر سورة النساء يقول الله – تعالى: «وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ»، وحتى تظهر لنا الصورة جلية وواضحة ظللت أطوف بين صفحات الكتب أقلب صفحاتها لأقف على بعض من ماضي وواقع الأيتام من البنات فإذ بي أجد في تفسير العلامة بن كثير رضي الله عنه - تفسير القرآن العظيم - ما منه بكت عيني وازداد شوقي للكتابة عنه، لقد وجدت أنه ذاكر ومثبت لصور من ظُلم اليتيمات، فيقول: «والمقصود أنَّ الرجل اذا كان في حجره يتيمة يَحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها، فأمره الله - عزَّ وجل - أن يمهرها أسوة بأمثالها من النِّساء، فان لم يفعل، فليعدل إلى غيرها من النِّساء، فقد وسع الله - عزَّ وجل - وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أوَّل السورة، وتارة لا يكون للرجل فيها رغبة لِدَمَامَتِهَا عنده، أو في نفس الأمر، فنهاه الله - عزَّ وجل - أن يُعضِلها عن الأزواج؛ خشية أن يُشركوه في ماله الذي بينه وبينها ؛ كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: «فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ»، فكان الرَّجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة، فيُلقي عليها ثوبه، فاذا فعل ذلك بها، لم يقدر أحد أن يتَزَوَّجها أبدًا، فان كانت جميلة وهويها، تَزَوَّجَها وأكل مالَها، وان كانت دميمة، منعها الرجال أبدًا حتَّى تموت، فاذا ماتت ورثها، فَحَرَّم الله ذلك ونهى عنه».
تلكم كانت صورة للمعاملة السيئة التي تلقتها اليتيمات في المجتمعات التي لم يكن عندها وازع من دين. إن هذه نفس بشرية تحتاج لرعاية حسنة وطيبة.
وحتى لا نقول إن القرآن الكريم لم يذكر لنا إلا الجانب السيئ فقط فتعالوا بنا نقف مع مكنون العناية والكفالة الحق في حق السيدة مريم عليها السلام حيث صورها لنا القرآن الكريم أيُّما تصوير، تلك السيدة الفاضلة من نِساء الدنيا التي تمنى أهل الخير في زمانها أن يتكفلوا برعايتها وخدمتها يقول القرآن الكريم حكاية عن ذلك كما ورد في سورة آل عمران: «ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ اِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ اِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ اِذْ يَخْتَصِمُونَ»، وهنا نجد النية الصادقة في الحصول على هذا الأجر من الجميع، فلما يجد الجميع بُداً من ذلك، اقترعوا فيما بينهم والقاء أقلامهم في النهر – يذكر أنه نهر الأردن حاليا – كي يفوز أحدهم بهذا الشرف العظيم ألا وهو كفالة اليتيمة – مريم عليها السلام – وقد فاز بذلك نبي الله زكريا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

اليتيم في الشرع الحنيف
لقد عِلِّمَنَا الإسلام الرحمة والرأفة بمن فقد عزيزاً عليه، ومِنْ كِمَالِ الرَّحْمَةِ رَحْمَتِنَا بِالْأَيْتَامِ يقول تعالى في سورة النساء: «وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ اِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ»، ومن تأمَّل هذه الآية المباركة يجد أن اكرام اليتيم مَقرون بعبادته سُبحانه وتَعالى، لما له من فضل عظيم وأجر جزيل.
وعن الاكرام الحقيقي للأيتام يقول الله تعالى في سورة البقرة: «يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَاِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ»، ان الانفاق على اليتامى هو من أفضل صُور العَطَاء، لهذا ذُكر في أكثر من موضع في آيات القرآن الكريم.
وفي السنة النبوية المطهرة حثنا النبي عليه الصلاة والسلام ورغبنا في رعاية الأيتام وكفالتهم، ووعدنا بمزيد من الأجر والفضل، فقد ورد في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: «أنا وكافل اليتيم في الجنَّة كهاتين»، وأشار بالسبابة والوُسطى».
 وقد تابعت السنة النبوية في وصف المخلصين الذين أخلصوا نيتهم لله سبحانه وتعالى، في الانفاق على النساء الأرامل الذين يربين ايتامهن بفضل كبير وسؤدد عظيم فقد بلغوا بهذا السعي مبلغاً لم ولن يصل اليه أحد غيرهم بفضل السعي على الأرامل واليتامى، يقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه: «أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: السَّاعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، وكالذي يصوم النهار، ويقوم الليل»، يا لها من منزلة عظيمة وجليلة، تِلْكُم المِنْزِلَة العظمى التي حظي بها ثلة من المسلمين الذين فعلوا ذلك ارضاء لله تعالى وتطبيقاً لسنة النبي عليه الصلاة والسلام.
وهنا نستطيع القول إن قوة المجتمع وتماسكه، تسود بين أبناء المجتمع اذا اتَّسَمَتْ بِالْمَوَّدِة والتَّعَاطُف، ففيه يسود العدل وينتشر، ويأخذ اليتيم حقه الذي أولاه له الشرع الحنيف كاملاً دون نقصان، فأنى يتأتى لليتيم الحصول على حقه في زمن طغت فيه الماديات، وغاب فيه الوعي الديني.
وأختم مُذكّراً نفسي واياكم بقول الله تعالى من سورة البقرة: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ اِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَاِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَاِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ».
لقد نصحنا الإسلام والشرع الحنيف بضرورة الاحسان إلى الأيتام والوقوف بجانبهم، وأن رعايتَهم فرض كفاية، أي ان فعلها البعض سقطت عن الآخرين، لهذا فكُلُّنا مسؤولون أمام الله تعالى في تأدية هذه الرعاية حقها، ففيها عظيم الأجر والاحسان من الله سبحانه وتعالى.
وفقنا الله واياكم لما يرضيه.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث