جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 09 مارس 2017

عندما تتحدث الأفعال

عندما تتحدث الأفعال تصمت الافواه، وهناك اشخاص يدرّسون سياسة، وأيضا هناك اشخاص يَدْرِسون سياسة .. والنتيجة كالفرق بين الثرى والثريا، فالاول منتج ويصلح أمور الدولة، والثاني يتعلم ويتخبط بمهام الدولة وادارتها !
فالأمثلة والشواهد كثيرة على من صنع دولة ومن هدم دولة بأفعالهم وسوء ادارتهم، ولنأخذ مثلا شخصية «لي كوان لي» أول رئيس وزراء لجمهورية سنغافورة وحكمها لمدة ثلاثة عقود متتالية، اشتهر بصفته مؤسس الدولة وناقلها من العالم الثالث إلى الأول خلال اقل من جيل .
فهو حاصل على شهادة ليسانس قانون من جامعة كامبردج ببريطانيا، وعمل محاميا لعدة سنوات، وفي منتصف الخمسينيات أسس مع مجموعة من خريجي بريطانيا حزبا اشتراكيا وعين هو أمينا عاما للحزب، وفاز الحزب بانتخابات رئاسة سنغافورة عام 1959، وعين بعدها رئيساً للوزراء وعمره 35 سنة، وبعد 6 سنوات أعلن لي كوان استقلال سنغافورة عن ماليزيا .
ليس هذا فقط، فهو رجل لم تفرش له الزهور بطريق اصلاح الدولة فكما قال عن بلده حين استلمها : «إلى أي درجة كانت سنغافورة الستينيات قاسية، فقر ومرض وفساد وجريمة، بيعت مناصب الدولة لمن يدفع، خطف رجال الشرطة الصغيرات لدعارة الاجانب، وقاسموا اللصوص والمومسات فيما يجمعون، احتكر قادة الدفاع الاراضي والأرز، وباع القضاة أحكامهم، قال الجميع : الاصلاح مستحيل !
لكنني التفت الى المعلمين، وكانوا في بؤس وازدراء ومنحتهم أعلى الاجور، وقلت لهم : انا ابني لكم اجهزة الدولة، وانتم تبنون لي الانسان».
فجميع اجهزة الدولة تقريبا ينخرها الفساد، فلا قضاء ولا شرطة ولا مناصب حكومية سليمة، ولكن الرجل الاصلاحي يبقى اصلاحيا، والارادة اذا ما اقترنت بالشجاعة والاخلاص فلا يقف بوجهها الفساد وطواغيته، فأصبحت دولة متطورة مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا ولا تعتبر من دول العالم الثالث.
وكما قال عن خطته بالاصلاح: «رفضت أن أوجه موارد الدولة لشراء السلاح كما يفعل حكام العالم الثالث، بل وجهت معظم موارد الدولة للتعليم فتحولت سنغافورة من دويلة فقيرة مديونة إلى واحدة من أسرع اقتصادات العالم نمواً، فالتعليم هو سر النجاح».
فهذا ما نرجوه من الرؤساء العرب اصلاح البلاد والعباد ومحاسبة المقصر ومكافأة المخلص، ووضع خطط استراتيجية للدولة على ارض الواقع، فلا نرى ذلك بإستثناء دبي والجبار محمد بن راشد آل مكتوم، فنتمنى من سمو الشيخ جابر المبارك رئيس الوزراء ان يفرحنا بمؤتمر صحفي مفتوح يدعو الاعلاميين لمشروع اصلاح البلد بعد ان بدأت تتهاوى مؤسساته للاسف، وخاصة التعليم ووزارته المتخبطة بقراراتها العنجهية !!
واختم كلامي بما قاله رائد الاصلاح عن نفسه : «أنا لم اقم بمعجزة في سنغافورة، أنا فقط قمت بواجبي نحو وطني، فخصصت موارد الدولة للتعليم وغيرت مكانة المعلمين من طبقة بائسة الى أرقى طبقة في سنغافورة، فالمعلم هو من صنع المعجزة، هو من انتج جيلاً متواضعا يحب العلم والاخلاق بعد أن كناّ شعبا يبصق ويشتم بعضه في الشوارع»!

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث