جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 27 أغسطس 2008

على الشعر السلام

محمد موسى الحريص‮
هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.

يبدو أن مقولتنا الشهيرة‮ »‬اننا أهل البلاغة وفصاحة اللسان‮« ‬انقرضت ودفنت في‮ ‬مقبرة جماعية احتوت حروفنا الهجائية فماتت لغة الضاد وحملت نعشها علامات الرفع وأقيم سرادق العزاء في‮ ‬دار الشاعر المتنبي‮ ‬والسؤال لماذا المتنبي‮ ‬دون‮ ‬غيره من الشعراء؟ والسبب هنا حكاية طويلة ملخصها اننا الآن نعيش أتعس وأحط عصور الشعر العربي،‮ ‬هذا ان استحق ان نطلق عليه شعرا بل الأحرى ان‮ ‬يسمى خرابيط و»تراهات‮«‬،‮ ‬فالمتنبي‮ ‬مات شهيدا لبيت شعر آمن به واعتبره نبراسا وصرحا مستقيما له عندما انتقل من بغداد الى مصر ومدح حاكمها آنذاك كافور الأخشيدي‮ ‬الذي‮ ‬لم‮ ‬يكن سخيا معه فاضطره الى العودة الى بغداد مرة أخرى وهو في‮ ‬طريقه اعترضته مجموعة من أبناء قبيلة كان قد هجاهم بقصيدة حارة وكانوا كثرة،‮ ‬ففر منهم وهرب،‮ ‬لكن خادمه قال له‮: ‬أتهرب‮ ‬يا سيدي‮ ‬وأنت القائل‮:‬
أنا الذي‮ ‬نظر الأعمى الى أدبي
وأسمعت كلماتي‮ ‬من به صمم
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
وعندما كر اليهم مرة أخرى قتلوه فمات شهيدا لشعره،‮ ‬وهو كله فخر بأنه شاعر وفارس شجاع‮.‬
تعالى الى شعراء‮ ‬يومنا هذا فلا تجد فيهم الا كلاما تقشعر له الأبدان وتنفر منه الآذان ويشيب له الولدان ما بين صلبوخ وحصى وغيرها من مواد الخرسانة تتحول معها القصيدة الى خلاطة أسمنت تصيب الذوق بالعمى والصمم الذي‮ ‬كانت كلمات المتنبي‮ ‬تخترقه لتسمع صاحبه‮. ‬فتجد من‮ ‬يطلق الفاظا نابية في‮ ‬شعره لتجد مطلع قصيدة‮ »‬نفسي‮ ‬أعمل واحد شاي‮« ‬لمؤلف الجيل علي‮ ‬كاوتشة فهل‮ ‬يسمى هذا شعرا أم هو برنامج طبق اليوم؟ وعلى نفس شاكلة الشاعر كاوتشة‮ ‬يسير باقي‮ ‬ربعه لدرجة ان الذوق العام نفسه أصابته بلاهة مغولية ولم‮ ‬يعد أحد‮ ‬يفرق بين الكلمات الأصلية من خرابيط المطبخ‮.‬
والشيء الذي‮ ‬لا‮ ‬يحتاج الى برهان أن هذه الأشعار كلها تغنى بأصوات أناس لا تمت للطرب بأي‮ ‬صلة من قريب أو بعيد وحدث ولا حرج‮.‬
فالشاعر الآن لا‮ ‬يتفوه إلا باسم الأمير فلان والشيخ علان طمعا في‮ ‬نيل واسطة أو في‮ ‬نقال هدية وبعد ان كنا في‮ ‬يوم من الأيام أمة تتباهى بلغتها باتت الأمم الأخرى تتفشى فينا من جراء شعرائنا وشعرهم الأجرب الهزيل والحمد لله ان الفضائيات الغنائية لم تترك أغنية من أغاني‮ ‬الشعر الهزيل أي‮ ‬شعر هذه الأيام الا وبثته على مدار اليوم بأكمله لتكون فضيحتنا عالمية أي‮ ‬فضيحة ديجيتال على الأقمار الصناعية،‮ ‬والآن‮ ‬يصح لنا ان نذكر قصيدة البجعة التي‮ ‬كانت من وحي‮ ‬أديب فرنسي‮ ‬والى الآن‮ ‬يفتخر بها الأوروبيون رغم فقارة تراثهم وإفلاسهم اللغوي‮ ‬الا ان شعرهم حتى الآن شعر‮ ‬يمس الإحساس والذوق ولا‮ ‬يتعلق بمصانع الخرسانة الجاهزة أو في‮ ‬الطبخ‮.‬
ان ما نريده من شعرائنا هو احترام الذوق ومراعاة القافية المنتظمة واختيار الألفاظ التي‮ ‬تشعر القارئ بأنه‮ ‬يقرأ شعرا لا رعبا فليحاول كل شاعر نسيان كلام الباعة المتجولين ليقدم فنا‮ ‬يتغنى مطرب له صوت دافئ وليس نفيرا‮ ‬يشعرنا بأننا ما زلنا أهل الفصاحة اللغوية والا فليعتزلوا هؤلاء‮.‬

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث