جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 24 يناير 2017

كاسترو في البيت الأبيض !

عن سلطة الشعب سمعنا كثيرا في عالمنا العربي. لكن أحدا لم يتخيل أن شعارا مماثلا سيطلقه رئيس أميركي في واشنطن كما فعل دونالد ترامب في خطاب تنصيبه الجمعة الماضي!
«لا تنتقل السلطة  من يد رئيس الى يد رئيس آخر، ولا من حزب الى حزب، لكننا ننقلها اليوم من واشنطن الى الشعب»!
عبارة كان يمكن عدم التوقف عندها او الالتفات اليها لو ان ترامب لم يكملها بعبارة تصمم على مضمونها : «لزمن طويل استفادت حفنة قليلة في واشنطن وعاشت في مستوى رفيع، بينما لم يكن للشعب شيء من خيرات بلده. نصرهم لم يكن انتصارا لكم ، وبينما كانوا هم يتمتعون ويحتفلون لم يكن لدى الشعب سوى القليل مما يمكن ان يحتفل به. هذا قد تغير ، والتغيير يبدأ الآن»!
  ولم يغب عن ترامب طبعا ان يستنتج: «لقد مضى وقت الكلام المنمق ودقت ساعة العمل. ولا تسمحوا لأحد بأن يقول إننا لا نستطيع»!
المشكلة ان ترامب ليس ثائرا ملتحيا ، كفيديل كاسترو يهبط من الجبال ، او يزحف من الغابات على رأس مجموعة ثوار، ولا قاد كتيبة او فرقة عسكرية، بل هو ملياردير وأغنى رئيس على الإطلاق يدخل البيت الأبيض وشكل أغنى حكومة في تاريخ اميركا، وقد استفاد كثيرا من النظام الاميركي القائم ، وهو ابنه ونتاجه، رأسمالي فاحش الثراء مشكوك في نزاهته واستقامته، لذا اثار خطابه مخاوف مثلما فعل أولئك الذين كانوا يصرخون بشعار السلطة للشعب، لأن الجميع يعلم انها لم تكن يوما كذلك . كانت سلطة عليه وليست له.
كلام ترامب مقلق لعدة اسباب . اولا اذا كان يقصده فعلا ، ويريد ان ينتقم من «الزعران» في واشنطن الذين أذلوه طويلا ويستمرون في إهانته واستفزازه حتى بعد فوزه بالرئاسة وهزيمتهم. وثانيا لأنه تضمن الكثير من المعطيات المنافية للحقائق سياسيا واقتصاديا وعسكريا ما لا يليق برئيس دولة، ولأنه ثالثا ، يدفع باتجاه إغلاق اميركا وانعزاليتها، ويعطي، رابعا، المزيد من الاشارات الى انه تنضج في أوساط القيادة الاميركية، وتحديدا الفريق الذي اختاره ترامب بعناية ، فكرة ان اميركا لن تبقى قطبا وحيدا يقود العالم، وأنها تسير نحو خيار إعادة تقاسمه الى مناطق نفوذ، وأنها ستقدم خدمات الحماية لمن يدفع.
لم يتحدث ترامب في اول خطاب له كرئيس محافظ، ولم يحرص على بلاغة راقية، بل اعتمد لغة استفزازية، تضمنت ترهات  كثيرة ما جعل كثرا من المعلقين حول العالم يحذرون من ان اللغة الصادمة قد تدفع اميركا والعالم كله الى الفوضى. بينما ذهبت الغارديان البريطانية ابعد كثيرا، فاعتبرت الخطاب « اعلان حرب سياسية».
اللافت ان الهدف الوحيد الذي تكلم عنه في سياسته الخارجية  على نحو ملموس، كان عن «توحيد العالم المتحضر ضد الارهاب الاسلامي وسنمسحه»، ما جعل وكالة الصحافة الفرنسية تتساءل مستغربة ما اذا كانت هذه العبارة تعني ضمنا ان ترامب يصنف العالم الاسلامي على انه همجي او غير متحضر على اقل تقدير!
بعد خطاب تنصيب ترامب لم يعد هناك شيء أكيد أو متوقع في سياسة الرجل، المتقلب اصلا، باستثناء ثابت واضح  هو ان شعبوية فظة قد سيطرت على البيت الأبيض بقيادة نرجسي ديماغوجي من الدرجة الاولى، اول أهدافها  ايقاظ الوطنية الاميركية وانعزالية مؤذية تحت شعار «اميركا اولا»،بمعنى ان الاولوية للمصالح الاميركية ولمصالح نفوذها قبل مصالح العالم كله، مع ما في ذلك من رشوة الناخب الاميركي  ووعده بتحسين أوضاعه على حساب الشعوب الاخرى.
من هذا الثابت تتفرع حقائق معروفة في الحياة والتاريخ. الوطنية يمكن ان تتحول عند  تضخيمها والنفخ فيها، او عندما تواجه ازمة ما، او حين تعجز عن تحقيق الأهداف والشعارات التي تدغدغ، الى عنصرية وتمييز وتصبح سببا للحروب والنزاعات العسكرية. لانه عندما لا تنجح سياسة  من هذا النوع، اي غير واقعية، يعمد القائمون عليها الى إيجاد عدو او أعداء لتحميله او تحميلهم مسؤولية الفشل. وترامب يلعب هذه الورقة طوال حملته الانتخابية. يهاجم النظام القائم في واشنطن ويصنفه عدوا داخليا، ويكرر الهجوم على المهاجرين والمسلمين. وهو في خطاب التنصيب يأخذ في الاعتبار احتمال العجز عن تحقيق ما وعد به طوال حملته ، وكان كثيرا جدا. وأتى خطاب التنصيب  تضليليا بقالب ثوري، ليقطع الطريق على امكانية تحميله مسؤولية الفشل اذا وقع، وتهيئة الاجواء لرميها على اكتاف الآخرين في الداخل او الخارج.
ليس الجالس الجديد في البيت الأبيض ترامب آخر إنما هو نفسه، وسنتعرف على وجوهه الأخرى، التي ستظهر تباعا قريبا.
 

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث