الأحد, 22 يناير 2017

قراءة في وثائق بريطانية لحرب تحرير الكويت «1-2»

للتاريخ أحكامه، والتاريخ لا يعود بأحداثه، ولكن للتاريخ عبرا ودروسا، والذين لا يتعلمون من تاريخهم يفقدون الكثير ولا يتقدمون، فالأمم والشعوب كالأفراد تمر بها أحداث وملمات وكوارث والتعلم من التاريخ يعطي العبرة والحكمة عبر الزمن، ما كشف عنه أخيرا الأرشيف الوطني البريطاني من وثائق سرية حملت مداولات الزعماء العرب عقب الكارثة المفزعة التي ارتكبها صدام حسين في حق العرب كلهم قبل أن تكون في حق الكويت عقب الاجتياح العراقي لها في 2 أغسطس 1990، لم تقدم رغم أهميتها التاريخية والتوثيقية جديدا للخبراء والمراقبين لهذا الحد? الكبير، الذي شكل امتحانا لقدرة دولة وشعب الكويت على ادارة صراع سياسي وعسكري، بل وثقافي صنعت بعده نصرا غاليا استرد الوطن ثم عززت اللحمة والهوية الكويتية الخاصة لهذه الدولة العزيزة في مضمونها سواء خليجيا أو عربيا، وأعطي مثالا نادرا على قدرة أبناء الوطن وقيادتهم اذ تلاحموا ضد هزيمة العدوان واعادة الوطن والدولة قوية بعد أن كانت في مهب ريح عاصف غادر مخيف، لم تكن تهدف فقط إلى اقتلاع الكويت من خلال عدوان غاصب واعتداء شقيق على شقيقه مستغلا ظروفا دقيقة وأوضاعا قلقة تمر بها المنطقة، بل كان في مضمونه ضرب كل البلاد ا?عربية واعلان انهاء النظام العربي ككل وتقويضه لمصلحة زعامة فردية دكتاتورية غاشمة، بل جاهلة لا تجيد أي نوع من القراءات السياسية.
زعيم صور له خياله أنه بمجرد أن دخل حربا مع إيران لمواجهة طموحاتها في العراق أو في المنطقة العربية والخليجية أن هذا يعطيه حقا في أن يفرض نفوذه ويوسع حكمه، أو ينصب نفسه امبراطورا جديدا ليس للعراق وحده ولكن للخليج، ان لم يكن للمنطقة العربية كلها.
وبدأ تطبيق خيالاته بالجار الأولى بالرعاية والحب أو الشقيق «الكويت» الذي لم يؤخر عنه شيئا، وكان سندا له في كل حروبه بل وشطحاته.
في تلك اللحظة الحساسة والدقيقة ليس في تاريخ الكويت فقط انتفضت العقول الثلاثة القادرة في العالم العربي، الكويت ومصر والسعودية ليس لضرب العدوان وتحجيمه واعادة الكويت فقط إلى الصف العربي والعالمي عضوا فاعلا مؤثرا ذا دور ومكانة لا يمكن لأي مراقب أن يتجاهلها أو يقلل من شأنها، فالكويت تمارس الوزن والدور الكبير والمؤثر رغم كونها دولة صغيرة في محيطها الاقليمي والدولي ببصيرة، وأصبحت في عهدها الراهن رقما عربيا صعبا مؤثرا في مسار المنطقة واستقرارها بالكامل، تحتاج من العقول الراجحة استبصارها بدقة وتسليط الضوء عندما يصبح الدور كما يقولون في قراءة الأسلوب السهل الممتنع أو الصعب، ولكن حركة الدول الثلاث كانت من أجل حماية النظام العربي والمنطقة كلها من التوغل الصدامي وهزيمة الطموحات غير المشروعة، وكانت المقدمة من خلال تكوين تحالف اقليمي ودولي أعاد الكويت وأعاد الاستقرار للمنطقة كلها.
وادارة صراع بهذا الحجم والقوة ذكرني بحادثة أخرى في تاريخنا العربي كانت ما بين عامي 1967 و1973، في الأول كانت كارثة أو هزيمة صعبة لمصر وسوريا والأردن وفلسطين أو العرب كلهم بهزيمة قاسية احتلت فيها سيناء المصرية والجولان السورية وأراض أردنية وكل الأراضي الفلسطينية، ولكن ما بين التاريخين كانت هناك ادارة للصراع العسكري انتهت بانتصار وعبور القناة، وكان للتعاون العربي دور كبير في تحقيقها على أرض الواقع رغم الظروف العربية والعالمية  غير المواتية والدقيقة والصعبة، ولأن لحظة الهزيمة قاسية على الشعوب، لكنها على القاد? يجب أن تكون أكثر من قاسية، فهي لحظة التوحد والعمل والمواجهة، ولذلك أتذكر لقاء القمة في الخرطوم  بعد هزيمة 67 بحضور قادة العرب الذين رفضوا الهزيمة وأعلوا من الشأن العربي، واتجهوا للتعاون والمواجهة، فصنعوا نصرا عزيزا ومؤزرا وتغلبوا على الكارثة أو النكسة، وللمشابهة بين الحدثين كان لقاء قمة القاهرة للزعماء العرب بعد كارثة صدام في الكويت الخطوة الأولى لتصحيح النكسة العربية الثانية، وصناعة نصر جديد للكويت والعرب على العدوان وتبعاته أدى إلى التحرير واعادة الاستقرار للمنطقة.
ولكن تظل زيارة التاريخ ضرورة وحتمية لأخذ العبر والاستدلال منها أو الاستبصار والتعلم من خلالها والتعرف على المسارات أو القدرة على صناعة النصر وتجاوز الخلافات، سواء كانت عميقة أو سطحية بين الدول والشعوب العربية، وأظن والحالة العربية الراهنة لا تسر أحدا أننا في حاجة إلى قمة جديدة لاعادة سوريا إلى الخريطة العربية لشعبها والمنطقة، وحماية العراق من الاحتلال وتقوية ظهره أمام الأطماع  من القوى العالمية أو الاقليمية المستغلة للظروف والتطورات العراقية الداخلية، وأخيرا مواجهة الإرهاب والتطرف والدواعش بكل أشكالهم المتنوعة والأهم لحماية مستقبل المنطقة والعالم العربي، وايجاد سياسة عربية موحدة للتعامل مع القوى الكبرى في عهدها الجديد «أميركا» والقوى الأخرى البازغة «روسيا»، والقوى الكامنة «أوروبا والصين».
ووحدة العرب في هذه اللحظة القاسية في التاريخ العربي والإسلامي ضرورية، فالإنسان في كل البلاد العربية  يشعر بالهزيمة والضياع بين قوى كبرى متربصة وقوى اقليمية «بازغة» وباحثة عن الدور والمكانة «تركيا وإيران» على حساب العرب وتاريخهم، وقد شرعتا سياسات وجيوشا وميليشيات لتكريس احتلال أو فرض النفوذ الإيراني والتركي في الشام «سوريا والعراق» ولبنان، مستغلين الظروف غير الطبيعية التي مرت بالبلدين، الأول بعد الثورة والثاني بعد الاحتلال الأميركي، والثالث بعد حرب أهلية وصراع طوائف وظهور حزب الله الإيراني.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث