جريدة الشاهد اليومية

السبت, 21 يناير 2017

أصولي نموذجي

بدأ العالم, ويفترض نحن العرب ايضا، الاختبار الفعلي للتوجهات الحقيقية لدونالد ترامب الرئيس الأميركي الذي فاجأ العالم  ثم أقلقه بفوزه أولا وبتصريحاته المثيرة تاليا، والغرائب التي رافقت معركته الانتخابية طوال عام، ثم فوزه.
آخر حلقات السيرك الذي نادرا ما شهدته رئاسة أميركية، أو انها لم تشهده مطلقا، تحذير الرئيس الروسي بوتين نظيره الأميركي الجديد من «انقلاب» ضده!
العرض الهزلي الكبير، اساسا، صناعة أميركية خالصة. لم يعرف المسرح السياسي الاميركي مثيلا له. فبركات صنعتها اجهزة مخابرات ومؤسسات حزبية، انجرف اليها الاعلام وروجها، بقيت دون اثبات وان صدقها كثيرون.
من الحرب الالكترونية الروسية التي رجحت ترامب على منافسته السيدة هيلاري كلينتون، قادتها هاكرز روسية لم تبلغ الثانية والثلاثين من عمرها، فحسمت معركة انتخابية كلفت كلينتون 1.54 مليار دولار وترامب 930 مليونا، فلماذا التضحية بمبلغ ضخم يمكن ان تتلاعب بنتيجته عملية قرصنة تقوم بها فتاة شابة من خارج الحدود؟!
ثم اذا كان لهذا السطو الدور الحاسم فلماذا حصلت كلينتون على مليوني صوت اكثر من منافسها الذي فاز لحصوله على أغلبية أصوات المجمع الانتخابي، وهذا عيب تكرر اكثر من مرة، ما يعني ان الخلل يكمن في النظام الانتخابي وان فيه ثغرة جدية تشوه الديمقراطية الاميركية.
اضف الى سيرك العروض، التقارير عن الملف المحرج الذي جمعته المخابرات الروسية عن الرئيس الجديد لإحراجه وابتزازه عند الحاجة. وكأن رجل الفضائح تهمه أو تؤثر فيه خبرية جنسية من هنا، أو حدث نسائي من هناك.
على الأرجح، فإن «الشو» الضخم، نتاج عدم قدرة الحزب الديمقراطي على الاعتراف بالهزيمة.
مع ذلك انتهى السيرك وجرى تنصيب ترامب، ومن الطبيعي أن يركز العالم على السؤال الجوهري الكبير: أي سياسة خارجية سيعتمدها الرئيس الجديد، سؤالنا الأهم  ماذا سيكون نهجه تجاه منطقتنا تحديدا؟!
ترامب قال عن نفسه انه «ليس سياسيا» مع انه يشغل اهم موقع سياسي في العالم. «لن اخرج لاقول سافعل هذا وسأفعل ذاك. سافعل ما يجب ان اعمله». بتصريحه يؤكد بوضوح انه ليس جمهوريا نموذجيا، ولا ديمقراطيا نموذجيا، وهو كان، بالفعل، في مسيرته السياسية كليهما. ما يعني انه لن ينظر الى مفهوم «مصالح اميركا» الذي يسترشد به الرؤساء الأميركيون بخلفية ايديولوجية. وهي الخلفية التي دفع العرب، وما زالوا، ثمنا باهظا لها!
استرشد بوش الابن وادارته الاكثر تطرفا وعدوانية بالليبرالية الجديدة فسببت كارثة عالمية بالازمة الاقتصادية 2008, سبقتها كارثة  سياسية بغزو العراق الذي تبعه انهيار النظام العربي.
واسترشد الديمقراطي باراك اوباما بنظرية التغيير وتصدير الديمقراطية الاميركية، فواصل العرب دفع الاثمان الباهظة وكأنهم حقل تجارب. لم يحاول مع وزير خارجيته كلينتون إصلاح ما خربه سلفهما، انما اعتمدا خيارا كارثيا جديدا: فرض أنظمة إسلامية بدل العسكرية، وكلاهما ذوا طبيعة شمولية واستبدادية،ما رمى المنطقة الى نار جديدة تشتعل بالارهاب والخراب المتمدد الى مناطق كثيرة خارجها.
لن يكون ترامب لا هذا ولا ذاك. انه اصولي أميركي نموذجي، تحكمه القيم الاميركية التي تحكم الاميركي العادي. معرفته السياسية بالعالم محدودة، تكوينه المهني كرجل اعمال وبيزنس شو يبعده عن الأفكار المركبة، وهو ما عكسه بوضوح في شعاره «لتعد اميركا دولة عظمى». بمعنى انه لن ينظر الى العالم بنظارات ايديولوجية، بل بما يشبه العملية التجارية، اي انطلاقا من الرؤية الجيوسياسية، أي المصلحة، وهذا تحديدا ما يمكن ان يجعله مرنا او متصلبا. رجل تسويات حيث هي ممكنة وفيها مصلحة، ورجل حرب حيث يحتاجها ولأميركا فيها مصلحة.
لذا فان تقاربه مع روسيا زاد جدا، كما ان خلافه مع اوروبا، او نزاعه مع الصين احتمال واقعي، وحربه على الارهاب خيار حتمي.
الأسوأ مع ترامب سيكون سياسته تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي والقضية الفلسطينية. فهو منحاز بشدة الى اسرائيل. لكن طبيعته تفسح في الوقت نفسه للعرب للعب في هامش أوسع، فترامب معتاد على أن يختبر خططه ومشاريعه وأن يغيرهما عندما تستدعي مصلحته ذلك، وفي هذه المساحة يمكن أن يلعب العرب دفاعا عن مصالحهم الحقيقية، إذا أدركوها فعلا.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث