السبت, 21 يناير 2017

استقبال رئيس ووداع رئيس

يحلو للكتاب العرب وصف الرئيس الاميركي بالامبراطور والرئيس الروسي بالقيصر رغم سقوط الامبراطورية وانسحاب القياصرة على اعتبار ما كان، برغم ان ما فيهما شيء من رائحة الماضي ولكن الاختزال عادة معيبة خاصة في ذاكرة العامة ونحن هنا لن نودع امبراطورا او نستقبل امبراطورا جديدا لاربع سنوات قادمة على أميركا والعالم.
ما اقصده هو ان ما بين وداع اوباما واستقبال القادم الجديد دونالد ترامب كنا امام حقبة انتهت سريعا ولم تسجل في التاريخ الانساني او السياسي او العالمي ما كانت تستحقه أو ما طمحت إليه أو ما كانت مؤهلة له، ما أقصده هو في وداع الرئيس باراك حسين أوباما، حيث كنا نتصور أن أميركا البيضاء والعنصرية في الماضي أفرزت أو ارادت أن تصالحنا فاختارت رئيسا لونه مثلنا أو من جلدتنا - نحن الأفارقة أو العرب أو شعوب العالم الفقير - وابن افريقي مسلم، هاجر وعاش منا الكثير وسط الأميركيين أو في العالم المتقدم وتزوج منهم فقلنا عنه - أقصد أوباما - أو تخيلنا أو ظن بعضنا في عالم الأوهام أن مانديللا الثاني ابن افريقيا صار على رأس الامبراطورية الأميركية العتيدة التي تؤثر في كل العالم وتقود الدنيا.
جلدته سوداء أو سمراء مزيج خمري ثمرة التزاوج بين الحضارتين الأميركية أو الغربية والافريقية، لكن الرجل الرئيس السابق أو الراحل آثر السلامة واختار أن يكون للاميركيين فقط ونسي تاريخه ولون بشرته وجيناته، واقتصر على ثقافته الكامنة أو تراثه الحضاري الكامن في جيناته واكتفى أن ينجح كرئيس أميركي ولا يدخل تاريخ الانسانية أو البشرية كعظيم، كان رئيسا فقط ومن هذه الزاوية فهو من أنجح رؤساء اميركا او انه خاف من الاميركيين فسار كما يريدون لا كما يريد، أراد ان يقول ان لون بشرته وثقافته وامتداد والده الحضاري والانساني وتعليمه لم تؤثر فيه ولم يتغير واقتصر ان يكون لاميركا ولاميركا فقط ومن هنا لم يقتل مثل كيندي ولم يتعرض لأي محاولات اغتيال واكمل مدة حكمه كاملة وان كان لم يسلم من الكراهية والبغضاء من البيض والعنصريين الاميركيين القدامى الذين عذبوا السود واضطهدوا البشرية من قبل، فكان رد فعلهم العلني قاسيا في توديع اوباما ولم يقدروا له أنه كان لهم فقط وانسلخ من جلده وتاريخه واهله ولم يكن لغيرهم او للعالم كما كنا نحن في الشرق وافريقيا نتصور ونظن، وخاب بالقطع ظننا في الرئيس المغادر وعرفنا ان الثقافة المكتسبة او الحضارة الاميركية قادرة على نسخ صاحبها وجعله صورة منهم مهما كان اصله او دينه وتغير صاحبها فينسى تاريخه وحضارته وثقافته وكل موروثاته ويكون كما اراد من انتخبوه ونصبوه امبراطورا او رئيسا عليهم.
ونحن في وداع اوباما لن نبكي عليه كثيرا لانه لم يكن منا بل كان علينا ولم ينصف اهله، بل رحل وترك خلفه سياسات عاجزة مهزومة وشرقا ممزقا وترك العالم وهو على أبواب حروب عنصرية وبغضاء وكراهية عصية قاتلة وكذب علينا وباع لنا الأوهام او الخطابات الرفيعة بانكليزية جميلة تعيش في العقول ولكنها لم تقل أو تفعل شيئا.
خاطبنا نحن العرب في جامعة القاهرة وقال ان عصرا جديداً يولد على يده وان الحلول قادمة وفلسطين في الطريق وترك الشرق العربي وهو يعاني في فلسطين أزمة وجودية خطيرة وترك في سوريا كارثة اخرى أقوى من سابقتها أو تعادل فلسطين بل وتتفوق عليها من حيث الخسائر والفظائع البشرية، ملايين السوريين مشردون والشعوب تبكي على سوريا والعراق والصراع محتدم بين العرب السنة والفرس الشيعة وبين السنة والسنة أو المعتدلين والدواعش، والخليج استأسد عليه وتعبث فيه السياسات التوسعية الايرانية وحال العرب في المشرق صعب وفي المغرب يقتربون والخليج تحت حالة الانتظار والحروب المحتدمة في اليمن والغليان في البحرين وهكذا الصورة صعبة في وداع الرئيس السابق.
أما الرئيس الجديد أو القادم ترامب فهو حالة جديدة علينا وعلى العالم بل على بلاده نفسها، فالأميركيون منقسمون حوله ولاول مرة في تاريخنا يستقبل الاميركيون رئيسهم أو امبراطورهم الجديد بمظاهرات حاشدة ورافضة والاعلام الاميركي يراه ظاهرة نشازا مرفوضة في تاريخه، واوروبا غاضبة وروسيا تتصور أنه حليفها وصديقها.
ترامب يعادي الحلفاء التقليديين ويحاول جذب المنافسين ويحولهم من اعداء الى حلفاء، رئيس صعب لم تنتخبه مؤسسة الحكم او النخب التقليدية بل جاء من مؤسسة الاعمال او التجار، يقولون عنه انه لا يخسر يريد ان يحول السياسة الى تجارة او صفقة رابحة فماذا سيفعل معنا؟ ماذا ستكون سياسته في الشرق؟ جاء بنظريات جديدة بلغ عداؤه للمتطرفين الاسلاميين ان يتهم الاسلام نفسه، كيف سيتعامل معنا؟ هل يؤجج الصراعات الاسلامية - الاسلامية او الفتن بين الاديان؟ أكبر مخاوفنا من الرئيس القادم أنه لا يدرك معنى السياسة ومتعصب وانفعالي وصعب المراس وصعب التنبؤ بسياساته ويغضب، بل وعفوي، سياساته مازالت كامنة في عقله ولكني لا اخفي اعجابي بمعاونيه، فقد اختار نائبا ممتازا للرئيس ووزيرين للخارجية والدفاع لا غبار عليهما يمتلكان قدرات سياسية وخبرات متميزة، والاهم لنا يعرفون الشرق الأوسط والمنطقة العربية وقادرون على ادارة دفة السياسة فيها وتلافي الاثار السلبية لـ «سياسات اوباما» التي دمرت ودحرت الشرق العربي واطلقت يد ايران في المنطقة العربية وتركت القيادة والريادة لروسيا بوتين بلا وعي او مشاركة! وقد تعوض ادارة ترامب مخاوفنا او انتظارنا لسياسات الرئيس الجديد.
وقبل ان انتهي من هذه الرسالة في وداع رئيس واستقبال الامبراطور الجديد اقول له احذر من نقل السفارة الاميركية من تل ابيب الى القدس فإنه عمل ليس سهلا وخطير لأنه يفتح افاقا للمتطرفين والارهابيين ان يتسيدوا او يسيطروا على الشرق الاوسط والعالم الاسلامي فيحولون الحرب الكامنة في فلسطين بين قوتين الى حرب دينية بين الاسلام واليهودية، وبدلا من خلق تعايش بين الاديان تنفجر المنطقة الى صراعات دينية لا قبل لأحد بها تفجر ما بقي في الشرق العربي او الاسلامي من تعايش.
اننا ندعو الى التعايش والتسامح بين الاديان في مهبط الاديان، سيادة الرئيس الامبراطور القادم اقرأ عن الاديان وعن الشرق الأوسط وصراعات الاديان قبل ان تتخذ القرار الخطير، هذا القرار ينتظره منك الدواعش وكل من يناصرهم او يتبنى افكارهم من المتطرفين من القاعدة والجماعات المتطرفة المتأسلمة.
ستقول جملا بسيطة ولكنها ستفجر صراعا عنيفا لا قبل لاحد به، تريث وعد الى الرشد واسأل المؤسسات السياسية في أوروبا واميركا والمؤسسات الامنية وتحر الدقة قبل ان تنزلق بنا وبالعالم الى هوة سحيقة لن يستطيع أحد أن يوقفها، إنها الشرارة التي تنتظرها القاعدة والدواعش ومن على شاكلتهما.


 

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث