جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 19 يناير 2017

قراءة في وثائق بريطانية لحرب تحرير الكويت

للتاريخ أحكامه، والتاريخ لا يعود بأحداثه، ولكن للتاريخ عبرا ودروسا، والذين لا يتعلمون من تاريخهم يفقدون الكثير ولا يتقدمون، فالأمم والشعوب كالأفراد تمر بها أحداث وملمات وكوارث والتعلم من التاريخ يعطي العبرة والحكمة عبر الزمن ما كشف عنه أخيرا الأرشيف الوطني البريطاني من وثائق سرية حملت مداولات الزعماء العرب عقب الكارثة المفزعة التي ارتكبها صدام حسين في حق العرب كلهم قبل أن تكون في حق الكويت عقب الاجتياح العراقي لها في 2 أغسطس 1990، لم تقدم رغم أهميتها التاريخية والتوثيقية جديدا للخبراء والمراقبين لهذا الحدث?الكبير، الذي شكل امتحانا لقدرة دولة وشعب الكويت على ادارة صراع سياسي وعسكري، بل وثقافي صنعت بعده نصرا غاليا استرد الوطن ثم عززت اللحمة والهوية الكويتية الخاصة لهذه الدولة العزيزة في مضمونها سواء خليجيا أو عربيا، وأعطي مثالا نادرا على قدرة أبناء الوطن وقيادته اذ تلاحما ضد هزيمة العدوان واعادة الوطن والدولة قوية بعد أن كانت في مهب ريح عاصف غادر مخيف، لم تكن تهدف فقط إلى اقتلاع الكويت من خلال عدوان غاصب واعتداء شقيق على شقيقه مستغلا ظروفا دقيقة وأوضاعا قلقة تمر بها المنطقة، بل كان في مضمونه ضرب كل البلاد العر?ية واعلان انهاء النظام العربي ككل وتقويضه لمصلحة زعامة فردية دكتاتورية غاشمة، بل جاهلة لا تجيد أي نوع من القراءات السياسية.
زعيم صور لها خياله أنه بمجرد أن دخل حربا مع إيران لمواجهة طموحاتها في العراق أو في المنطقة العربية والخليجية أن هذا يعطيه حقا في أن يفرض نفوذه ويوسع حكمه، أو ينصب نفسه امبراطورا جديدا ليس للعراق وحده ولكن للخليج، ان لم يكن للمنطقة العربية كلها.
وبدأ تطبيق خيالاته بالجار الأولى بالرعاية والحب أو الشقيق «الكويت» الذي لم يؤخر عنه شيئا، وكان سندا له في كل حروبه بل وشطحاته.
في تلك اللحظة الحساسة والدقيقة ليس في تاريخ دولة الكويت فقط انتفضت العقول الثلاثة القادرة في العالم العربي، الكويت ومصر والسعودية ليس لضرب العدوان وتحجيمه واعادة الكويت فقط إلى الصف العربي والعالمي عضوا فاعلا مؤثرا ذا دور ومكانة لا يمكن لأي مراقب أن يتجاهلها أو يقلل من شأنها، فالكويت تمارس الوزن والدور الكبير والمؤثر برغم كونها دولة صغيرة في محيطها الاقليمي والدولي ببصيرة، وأصبحت في عهدها الراهن رقما عربيا صعبا مؤثرا في مسار المنطقة واستقرارها بالكامل، تحتاج من العقول الراجحة استبصارها بدقة وتسليط الضوء عن?ما يصبح الدور كما يقولون في قراءة الأسلوب السهل الممتنع أو الصعب، ولكن حركة الدول الثلاث كانت من أجل حماية النظام العربي والمنطقة كلها من التوغل الصدامي وهزيمة الطموحات غير المشروعة، وكانت المقدمة من خلال تكوين تحالف اقليمي ودولي أعاد الكويت وأعاد الاستقرار للمنطقة كلها.
وادارة صراع بهذا الحجم والقوة ذكرني بحادثة أخرى في تاريخنا العربي كانت ما بين عامي 1967 و1973، في الأول كانت كارثة أو هزيمة صعبة لمصر وسوريا والأردن وفلسطين أو العرب كلهم بهزيمة قاسية احتلت فيها سيناء المصرية والجولان السورية وأراض أردنية وكل الأراضي الفلسطينية، ولكن ما بين التاريخين كانت هناك ادارة للصراع العسكري انتهت بانتصار وعبور القناة، وكان للتعاون العربي دور كبير في تحقيقها على أرض الواقع برغم الظروف العربية والعالمية  غير المواتية والدقيقة والصعبة، ولأن لحظة الهزيمة قاسية على الشعوب، لكنها على القا?ة يجب أن تكون أكثر من قاسية، فهي لحظة التوحد والعمل والمواجهة، ولذلك أتذكر لقاء القمة في الخرطوم  بعد هزيمة 67 بحضور قادة العرب الذين رفضوا الهزيمة وأعلوا من الشأن العربي، واتجهوا للتعاون والمواجهة، فصنعوا نصرا عزيزا ومؤزرا وتغلبوا على الكارثة أو النكسة، وللمشابهة بين الحدثين كان لقاء قمة القاهرة للزعماء العرب بعد كارثة صدام في الكويت الخطوة الأولى لتصحيح النكسة العربية الثانية، وصناعة نصر جديد للكويت والعرب على العدوان وتبعاته أدى إلى التحرير واعادة الاستقرار للمنطقة.
ولكن تظل زيارة التاريخ ضرورة وحتمية لأخذ العبر والاستدلال منها أو الاستبصار والتعلم من خلالها والتعرف على المسارات أو القدرة على صناعة النصر وتجاوز الخلافات، سواء كانت عميقة أو سطحية بين الدول والشعوب العربية، وأظن والحالة العربية الراهنة لا تسر أحدا أننا في حاجة إلى قمة جديدة لاعادة سوريا إلى الخريطة العربية لشعبها والمنطقة، وحماية العراق من الاحتلال وتقوية ظهره أمام الأطماع  من القوى العالمية أو الاقليمية المستغلة للظروف والتطورات العراقية الداخلية، وأخيرا مواجهة الإرهاب والتطرف والدواعش بكل أشكالهم المت?وعة والأهم لحماية مستقبل المنطقة والعالم العربي، وايجاد سياسة عربية موحدة للتعامل مع القوى الكبرى في عهدها الجديد «أميركا» والقوى الأخرى البازغة «روسيا»، والقوى الكامنة «أوروبا والصين».
ووحدة العرب في هذه اللحظة القاسية في التاريخ العربي والإسلامي ضرورية، فالإنسان في كل البلاد العربية  يشعر بالهزيمة والضياع بين قوى كبرى متربصة وقوى اقليمية «بازغة» وباحثة عن الدور والمكانة «تركيا وإيران» على حساب العرب وتاريخهم، وقد شرعتا سياسات وجيوشا وميليشيات لتكريس احتلال أو فرض النفوذ الإيراني والتركي في الشام «سوريا والعراق» ولبنان، مستغلين الظروف غير الطبيعية التي مرت بالبلدين، الأول بعد الثورة والثاني بعد الاحتلال الأميركي، والثالث بعد حرب أهلية وصراع طوائف وظهور حزب الله الإيراني.
أعود إلى الوثائق البريطانية التي كانت السبب في هذه الزيارة للتاريخ على أهميتها في كل الأحوال والتطورات، تتحدث الوثائق عن زيارة وزير الخارجية البريطانية في ذلك الوقت دوجلاس هبرد ولقاءاته مع عدد من الزعماء العرب خلال جولة في المنطقة ما بين 31 أغسطس و5 سبتمبر 1990، فهي تكشف الدول التي تحركت لحماية النظام العربي ولم تأبه لضغوط أو رشاوى حاكم العراق المغرور والجاهل صدام خلال تلك الفترة.
في الكويت هناك وضوح للرؤية لدى الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح أمير دولة الكويت حينها، والشيخ صباح الأحمد الصباح أمير دولة الكويت الحالي - وزير الخارجية وقتها- الذي خطط لادارة هذا الصراع الاستراتيجي بنجاح وكان له دور كبير في جهود تحرير البلاد حيث ان صدام حسين لن ينسحب من الكويت الا مرغما، ثم تحليله للمواقف العربية بدقة والاختلافات في الرؤى خاصة في البلدين «الأردن واليمن» اللذين كانا حليفين لصدام، وهذا ما تحقق بالضبط وعكس القراءة الصحيحة للأحداث، وكذلك ادراك أمير الكويت للدور الذي تلعبه الدول المترددة في ال?علان صراحة عن رفضها للعدوان الصدامي، كما حدث من الرئيس اليمني في ذلك الوقت علي عبدالله صالح، الذي كرس سياسته للتبرير والتخفيف من الحدث والتخويف من الردع، وكذلك الرؤية الصائبة للادارة الكويتية للتفريق بين الرئيس صالح ودوره المشبوه وبين موقف اليمنيين جميعهم سواء في الجنوب وكثير من القبائل الشمالية الذين يختلفون مع موقف صالح، وكذلك القراءة بين موقف الملك حسين عاهل الأردن وولي عهده الأمير حسن، وكيف كان موقف الأول متأثرا بصدام وطموحاته، وهو الموقف الذي ظل لغزا محيرا لدى الكثيرين في ذلك الوقت الصعب والدقيق في ال?اريخ العربي.
وكانت المعرفة الاستراتيجية لدولة الكويت والسعودية وراء حقيقة تلخصت في الوثائق البريطانية التي كشف عنها، كما قال سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي الراحل ان الحل غير المشروط واعادة الحكومة الشرعية إلى الكويت ورفض الحديث بأنه يجب أن يكون هناك حل عربي، وهذا الأمر جرب من قبل وأن دول الخليج والسعودية خاب أملهم بأقلية من الدول العربية أراحت الصداميين.
أما الدور المصري فقد كشفت عنه الوثائق في سرعة رد الفعل لدى الرئيس مبارك والحكومة المصرية في رفض العدوان والتصميم على انسحاب صدام، وكشفت الوثائق البريطانية مداولات صدام مع مبارك ومحاولة اغرائه بالمشاركة في العدوان عبر اسقاط الديون وكيف كان الدور المشبوه الذي لعبه علي عبدالله صالح الذي وصفه مبارك بأنه عميل لدى صدام، استخدمه لرشوة مبارك ومصر عبر ترك مبالغ مالية للرئيس والحكومة، وكشفت الوثائق أن العدوان لم يكن له هدف الا سرقة ثروة الكويت وشعبها، كما قال صدام لمبارك عندما رفض مبالغ الرشوة التي طرحها قائلا له هذ? الأموال ستحتاجها لاطعام شعبك، وأبلغ مبارك صدام باستعادة المبالغ التي تركها ولكنه أصر على تركها، قائلا انه سيكون لديهم الكثير من المال قريبا في اشارة صريحة إلى توقع صدام أنه سيجني أموالا ضخمة نتيجة اجتياحه الكويت وسيطرته على ثرواتها.
وكشفت الوثائق أن مبارك شن هجوما لاذعا على صدام قائلا ان الرئيس العراقي يكذب وانه أرسل جنوده لاحتلال الكويت بعد تأكيده أن جيشه بعيد أكثر من 70 كم عن حدود الكويت.
وهنا يجب الاشارة إلى أن الوثائق أعلنت أن موقف مصر لم يكن موقفا من الرئيس مبارك وحده، ولكنه كان موقفا مبدئيا من الشعب لرفض العدوان  وحماية النظام العربي، ولم تكن تلك هي المرة الأولى، فقد كان هناك موقف سابق في الستينيات عندما لوحت حكومات العراق بالعدوان على الكويت بالرفض المصري القاطع والتدخل الصريح لحماية الكويت من أي تغول عراقي، وهو ما كشف عنه الدور الذي لعبته في قمة القاهرة بتشكيل تحالف عربي أولا شاركت فيه مصر وسوريا ودول الخليج العربي كلها لمواجهة العدوان، وكان هذا التحالف النواة للتحالف الدولي لاعادة الاستقرار الاقليمي بعد عدوان صدامي غير أخلاقي وليس له أي تبرير الا العدوان والعبثية، والزيارة للتاريخ مفيدة لنعيد قراءة الواقع العربي وهو يخوض حربا جديدة اقليمية صعبة ضد التطرف والإرهاب الداخلي والتدخلات الاقليمية المعيبة في الشأن العربي.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث