جريدة الشاهد اليومية

الأحد, 15 يناير 2017

النقص يصنع التميّز

يعود التمييز لبذرة يزرعها نقص يحمله كائن متحرك من جنس البشرية، يطمح لكماله عبر طريق يمارس فيه اللااشباع الحانق في سبيل ملء رغبته وسد مأربه ليرتقي به إلى ما يطمح اليه بشتى انواع الآليات الحاذقة بالقمع كالقتل والتهجير القسري كي يبرر للآخرين عظمة مكانته.
بعد ما قبل المسلمون التعايش مع الديانات الأخرى كالمسيحية واليهودية أمر فيليب الثالث ملك اسبانيا بعد استشارة الكُهّان بطرد جميع السكان الموريسكيين المسلمين من الأندلس وغرناطة، وشكل محكمة التفتيش التي تعني جهاز أمن الدولة ليفتش على العقيدة الروحية التي يمارسها الفرد المسلم آنذاك بينه وبين الله، وأعطى الضوء الأخضر للكهان الحانقين على المسلمين ليحولوا أنظارهم وعلى رأسهم رجل الدين المتعصب «ثيسنيروس» نحو اللاإنسانية بدعوتهم الكاثوليكية الغافرة لمن يقاتلون الكفار«المسلمين» حسب زعمهم ليجذبوا كثيراً من المتطوعين في?صفوفهم، واشعلوا مصابيح الضغينة كي يشع نور الحقد المدفون منذ زمن. فبدأت آلة التطهير العرقي عبر التعذيب الوحشي والربط على الخوازيق المدببة بصورة بربرية اذ كان يدخلون الخازوق في مدبر الرجل ليموت معذباً، وشرعوا بتعميد الأطفال القسري ليصبحوا تابعين ليسوع وأنصاره، وعمدوا لعزل من هم في سن المراهقة من عوائلهم كي يستأصلوا موروثهم الديني ويزرعوا الكاثوليكية في داخلهم لتتكون شخصيتهم بروح المسيحية ويكون الدين همزة وصل بينهم. واصدر فيليب الثالث قراراً يحتوي تهجير العوائل الموريسكييه المسلمة عبر البحر في الأجواء الباردة?والقارسة من بيوتهم حتى وصلت حياتهم لأبشع درجة التهجير حيث كانوا يموتون برداً بسبب الثلوج الكثيفة ويتعرضون للسرقة وخطف النساء والأطفال ويبيعوهم في سوق النخاسة ليخرجوا عما في داخلهم من شحنات مبغضة باتجاه المسلمين الذين جعلوا الفن والفلسفة والشعر والأدب يزدهر في بلاد الأندلس.
العمل البربري الذي قام به الملك وكُهّانه نابع من النقص والشعور بالعزلة من القارة الأوروبية حيث كان الرأي السائد آنذاك «ان افريقيا تمتد إلى جبال البرانس التي تشمل الأراضي الاسبانية وتجعلها جزءاً لا تتجزأ منها، ووجود المسلمين يعتبر وبقاً للحاضر الاسباني الأوروبي آنذاك، فلذلك بدأوا بالتمييز وفرقوا بين الموريسكيين المسلمين والمسيح واليهود ليكسبوا ود العالم الأوروبي الذي كان يحتقرهم ويعتبرهم جزءاً من افريقيا. وهكذا ذهب بهم النقص الذي حملوه وجعلهم موضع احتقار عند جيرانهم وسبّب لهم التمييز الذي خرج من مصنعه التعم?د القسري للأطفال وقتل الرجال بالخوازيق وسرقة النساء وبيعهنّ في سوق النخاسة، وجعلهم معقدين يمارسون أبشع انواع القمع النابع من التمييز.
وأخيراً النقص الذي تحمله الدول كالشعور بالعزلة والتأخر عن العالم من حيث الاقتصاد والثقافة لا يخلف التمييز الداعم لعدم التوظيف وابعاد الناس من حقوقها المدنية والثقافية فحسب وانما يزيل السلم الثقافي والمدني كي لا يصعد الشعب إلى سطح التعليم والابداع.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث