جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 03 يناير 2017

عديم إحساس

ثَمَّ صنفٌ من الناس يحتاج بين فترةٍ وأخرى إلى خلوةٍ، ووقفةٍ مع الذات والنفس، يطلقها في رحلة فضاء لا تعتريها قيود؛ فتارةً يراجعها، و تارةً أخرى يحاسبها، وأوقاتاً يلومها، وأوقاتاً أخرى يؤنبها، وقد يقسو عليها قسوة تصل إلى حد ما يعرف بجلد الذات ..! ومن يحاسب نفسه ويراجعها فغالباً ما يغوص في أعماقها متأملاً في جميع ما حوله من أمورٍ و أشياء، ماديةً كانت أم معنوية، و هذا النوع من البشر يطلق عليه بالمصطلح المحلي «بني آدم عنده إحساس، أو عنده دمّ».
ويقابله  نوع آخر من البشر؛ يمجّدون ذواتهم، و تنفخهم الخيلاء، ويضخمهم الإعجاب بالنفس لمجرد أنهم نجحوا في إضحاك الناس على فلان، استهزاءً به، و استصغاراً لشأنه؛ أو لأنهم استطاعوا أن يحصلوا على ما ليس لهم وإن كان غصباً، و تأخذهم العزّة بالإثم؛ في شماتةٍ بمريض أو مُبتلى، وربما تصل بهم المفخرة إلى حد العقوق، والنكران، والخيانة، والسفاهة..! و يسمى هذا النوع بـ «عديم الاحساس»، وقد غدا عديم الاحساس هذا منتشراً في السنوات الأخيرة في أرجاء مجتمعنا الكويتي..!
و بالنظر، والتحليل، والتدقيق، و التمحيص، نجد أنه لا يوجد مخلوق حي على وجه هذه البسيطة «عديم احساس»...! فالنبات عنده إحساس وقد ثَبَتَ ذلك علمياً؛ حيث أُجريت الكثير من الاختبارات العلمية على نباتاتٍ عدّة تُعالَج بالموسيقى والأخرى بالهمس، واللّمس؛ وكأنك تعتني بطفل رضيع؛ إذ توضع في بيئة استثنائية غير البيئة الطبيعية لمثيلاتها، فوجودها في هذه البيئة؛ تنمو، وتُثمر بشكلٍ أفضل، يُعدُ خيراً من تلك التي تنمو بالطرق العادية، والحيوان كذلك عنده إحساس؛ والشواهد عديدة، لعل من أشهرها: ارتباط الناقة براعيها، ووفاء الكلب لصاحبه، فما بالنا بالإنسان الذي كرّمه الله عز وجل على سائر مخلوقاته؟! فهل من الممكن أن نجد إنساناً بلا إحساس ؟ قطعاً مستحيل ..! لأن ذلك لا يستوي مع البرمجة الإلهية لنظام الكون والتكوين.
لذلك تتبيّن لنا الحقيقة الجليّة أنه لا يوجد مخلوق يوصف بأنه عديم إحساس؛ بل إن هناك «منْعدمَ إحساس»، وذلك لأن من يتصفون بانعدام الإحساس يتصنعون عدم إحساسهم و شعورهم بالآخرين، ويظهرون عدم اكتراثهم لتصرفاتهم الصادرة تجاه البشر و في حق الناس.
ومن البلايا: أن هذه البلادة، وقلّة الأدب، وهشاشة الوازع الديني تجد مسوغاتها وأعذارها على ألسن أصحابها،  ومن حولهم ومن على شاكلتهم..! بل إن التباهي بـ «عدم الإحساس» أصبح مزيَّة  وصفة محمودة في هؤلاء..!
و بلا أدنى تعقيدات، وبعيداً عن الفلسفة و التنظير، أرى أن الخلل في الأسرة..! فكم من مرةٍ وبّخني أبي، رحمه الله، لمجرد أن أتغافل ولو لبرهةٍ عن شعوري بالآخرين؛ وكم من خيزرانة تكسرت على ظهري و قدمَيَّ لأنني أخطأت في حق أحد؛ وكم من «طراق» أكلته بسبب استهتار أو شماتة..! وكم من نصيحة ذهبية أهدتها إليَّ أمي «أطال الله في عمرها» في كيفية التعامل مع الناس بالحسنى؛ وكم من توجيهٍ تفضلت به عليّ وصلني بتعلّم الإيثار والتضحية والعطاء بغير حساب، ولا مِنّة، كل ذلك في مجمله جعل مني «بني آدم عنده إحساس» يحسب حساب الكلمة مئة مرة قبل أن يطلقها لسانه، ويحسب حساب التصرف ألف مرة قبل أن يشرع فيه.
ومن المحزن أن نشاهد اليوم الآباء يعينون أبناءهم على كل ما هو خطأ بحجة «إنت رجّال و شايل عيبك وافعل و قُل ما شئت»..! والأمهات يعلمن بناتهن كيف يرددن على من يكبرهن سنّاً و قدراً بحجة «إخذي حقّچ بلسانچ و خليهم يعرفون قدرچ و قوّي شخصيتچ»..!
و كذا حين يرى الأبناء آباءهم يظهرون في وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من الأماكن العامة بمظهر «الأراقوز الهازل، غير المسؤول المتسكع من ديوانية إلى مقهى و المتجوّل في الشوارع ليل نهار شامتاً في هذا و متمرغاً بعرض ذاك»، و عندما ترى البناتُ أمهاتهن قد تخلَّيْن عن دورهن الحقيقي في التربية و إدارة شؤون الأسرة، و انتقلن إلى متابعة: الفاشينستات ، والبلوغرز، والمشاهير، والأزياء، والموضة، والسياحة، والسفر، والتسوّق و«القرض و الحش»..!  من الطبيعي جداً أن تكون هذه مخرجات الأسرة..!
لذلك أقول: أن كثرة شخصية «عديم الاحساس» أو «منعدم الإحساس» ليست صدفة، ولا استثناء، ولا أمراً طارئاً لا أصل له؛ بل هي نتاج زرع الآباء والأمهات، فقد أصبحنا قلَّما نرى في هذه الأيام شخصية متزنة «عندها إحساس» بين شبابنا..! فالغالبية والسواد الأعظم إما أن يكون هازلاً أو سفيهاً أو معتوهاً أو قليلاً أدبُهُ..!
يقول المصطفى: «ألا كلكم راعٍ ، و كلكم مسؤول عن رعيَّتِه»، فانتبهوا لأقوالكم وتصرفاتكم أمام أبنائكم، وبناتكم كي يكتسبوا منكم كل ما هو جيد، وإن أخطأوا فلتصححوا لهم، وإن حادوا عن الطريق السّوي؛  فلتقوّموا سلوكهم ومسلكهم، فليس من المعقول، ولا من المنطقي ولا من الطبيعي أن نُبتَلى نحن و أبناؤنا والناس جميعاً بمخرجات تكون «عديمة الإحساس».
 

ضرار السليم

ضرار السليم

عين «الشاهد»

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث