جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 03 يناير 2017

ما يريد أو ما يستحق؟

من الإشكاليات التي واجهتني، الخلط بين أن يحصل الشخص على ما يريد في العام الجديد أو على ما يستحق. ثم انتبهت إلى أن الأمر ليس مطباً لغوياً، بل مسألة شعورية، وفيها الكثير من الحشرية، فليس من حق إنسان أن يحدد ما يستحقه الآخر أو لا يستحق.
هذا الالتباس، إضافة إلى مهنتي، كان دافعي للتدقيق في عبارات شائعة في الخطاب العربي السياسي والإعلامي، جعلها سياسيون بخزعبلاتهم وإعلاميون بانتهازيتهم، لازمة في صناعة الدجل التي يتقنونها.
اللغة من حال أمتها تطوراً أو تخلفاً. والعربية الآن كالعرب في يومهم البشع هذا، لا صديق يفرح ولا عدو يحزن. يتراجع رونقها وأناقتها، والأسوأ أنها تخسر دقتها ووضوحها ويحل محلهما الحشو والغُلو والتفنيص السياسي والديني والطائفي، وتصبح أكثر فأكثر من أسلحة الإلغاء ونفي الآخر المختلف، بدل أن تكون، كما هي مواصفات اللغة وبين أدوارها، وسيلة اندماج وتكامل وأداة توحيد.
أسوأ ما أنتجه هؤلاء السياسيون والإعلاميون مصطلح «القوى الوطنية» «والشخصيات الوطنية».
يقسم الشعب الواحد الى معسكرين: وطني من يشاركني رؤيتي ومشروعي السياسي، أما الآخر المختلف رؤية ومشروعا فمنزوع عنه الوطنية التي تصبح احتكارا لا يحتمل التعدد والاختلاف أو حتى الاجتهاد.
احتكارا يجعل الوطن أنا ونحن،وليس أنا وأنت وهو، نحن وأنتم وهم. في هذا المصطلح تنمو فكرة بذرة التسلط والتفرد ويدفن التنوع والتعدد.
إنه مصطلح يكشف الهوية المأزومة التي لا تتسع لكل أبنائها وبناتها، ولا يمكن أن يستثنى منها إلا خائن في مواجهة محتل أو مستعمر. ومثل هؤلاء قلة تافهة في كل أمة.
• من المضحكات المبكيات مصطلح «تمر الأمة في أسوأ وأخطر مرحلة في تاريخها». وهو الذي يتكرر من تاريخ تجاوز أعمارنا. مبك لأنه صحيح، ومضحك لأن من يزعجنا بها هم الذين أوصلوا الأمة إليها.
• ليس السياسيون وحدهم من يرتكبون الآثام خصوصا في «مرحلتنا الأسوأ» التي يختفي منها رجال الدولة،ويتكاثر فيها انتهازيو السياسة المتمصلحون كالفطر بعد الشتاء،فبعض الإعلام لا يقل ضررا،فهو الذي يروج ويبرر ويزين. من آثامه تسمية الإرهابيين في داعش والنصرة وغيرهم من فصيلتهم «الثوار» أو «المتمردين».
الثورة في تعريفها الدارج هي التغيير نحو الأحسن والأفضل، والثوار هم الذين يصنعونها، فكيف يبرر ضمير الإعلامي أن يسمي قتلة ومجرمين وإرهابيين آكلي لحوم البشر وأعداء الحياة ثوارا؟ وهل هناك مصير أسوأ مما يأخذون الناس إليه؟
• عندما بدأت أقرأ الصحف،ثم درست الصحافة وعملت فيها، كانت تلفتني جملة في رأس الصفحة الاولى تحت العنوان «صحيفة يومية مستقلة شاملة». كنت أصدق. مع الأيام لاحظت أن شيئا ما يختفي من العبارة. هي صحيفة، ويومية، بعضها بقي شاملا، ولم يعد كذلك. هذا صحيح. أما مستقلة فمعظمها فقد هذه الصفة الرائعة والضرورية للإعلام. الإعلام يتراجع ويفقد صفته التنويرية وتقديم الحقائق والرأي الحر للناس. أغلبه يغرق في الحزبية والطائفية والمذهبية، فيخسر القارئ والمشاهد.يفك صلاته الوثيقة بهم، ويرتبط بصاحب المال والسلطة. فيغني لمن يأكل خبزه.


 

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث